إبراهيم زولي
في الأسابيع الأخيرة تعرّضت السعودية وقطر والإمارات والبحرين والكويت وعمان لهجمات صاروخية وطائرات مسيّرة ارتبطت بإيران ضمن تصعيد إقليمي واسع، وطاول الاستهداف بنى طاقة ومرافق حيوية، مع تهديد مباشر لأمن الخليج وممراته ومصالحه الاستراتيجية.
ثمة شيء أكثر فجاجة من العدوان نفسه: أن تقع الضربة، وأن يرى بعض من يُحسبون على الثقافة العربية المشهد كاملا، ثم يلوذوا بصمت بارد، أو يندسّوا في منطقة رمادية يظنونها حكمة، أو يختبئوا وراء جمَل مطاطية عن «تعقيد المشهد» و»تشابك المصالح» و»ضرورة فهم السياق»، كأن الصاروخ حين يسقط على مدينة خليجية يحتاج إلى هوامش تفسيرية، وكأن الخوف على الموانئ والبيوت والمنشآت والأسواق والأطفال شأن قابل للتأجيل حتى يكتمل الجدل النظري في صالونات الخطابة.
ليس هذا صمتا بريئا. وليس حيادا، كما يحب بعضهم أن يسمّيه. الحياد فضيلة حين تتكافأ المسافات الأخلاقية، أما حين يكون هناك اعتداء واضح، وتهديد معلن، ونزوع إمبراطوري قديم يتجدّد بأقنعة جديدة، فإن الصمت لا يعود موقفا متعاليا، بل يصبح نوعا من العطب في الضمير.
المثقف الذي لا يهتزّ حين يُستباح الخليج العربي، أو يختصر المأساة في مناورة لغوية باردة، ليس مثقفا يمارس التأمل، بل كائن يدرّب نفسه على خسارة المعنى، وعلى تجفيف ما يفترض أن يكون فيه من حساسية أخلاقية.
المسألة هنا ليست دفاعا عن جغرافيا ، ولا انحيازا لجهة ضد جهة، ولا اصطفافا أعمى في خريطة النفوذ. المسألة، في جوهرها، أن الخليج ليس هامشا في الوجدان العربي حتى يُتعامل مع أوجاعه كخبر عابر.
الخليج جزء من الجسد العربي، من لغته الحية، من ذاكرته ومن تراثه الذي يمتد لقرون عديدة، من اقتصاده، من استقراره، من شوارعه التي عبرها العرب للعمل والنجاة والتعليم، ومن مؤسساته التي احتضنت المنفيين والمبدعين والباحثين والباحثات عن فرصة وكرامة ونافذة حياة.
وحين يتعرض هذا الجزء لعدوان مباشر أو غير مباشر، فإن المطلوب من المثقف العربي ليس أن يحرر لنفسه شهادة براءة من «الانفعال»، بل أن يمتلك الحد الأدنى من الشجاعة الأخلاقية ليقول: هذا عدوان، وهذه إدانة صريحة له.
بعض المثقفين العرب، للأسف، يعيشون على ذاكرة قصيرة، أو على انتهازية طويلة. يأكلون من موائد الخليج الرمزية والمادية، ينشرون في صحفه، يتنقلون بين منابره، يستفيدون من فضائه الثقافي المفتوح، ثم حين يختبرهم الموقف، تراهم يتراجعون إلى صمت يشبه البصق في الإناء الذي أكلوا منه. وهي صورة قاسية، نعم، لكنها أقل قسوة من هذا الجحود المزخرف بمفردات الفكر.
فما قيمة الثقافة إن لم تكشف معدن صاحبها ساعة الشدة؟ وما نفع البلاغة إذا كانت تتوهج في نقد البعيد، ثم تنطفئ تماما أمام الخطر الذي يقترب من البيت العربي؟
وليس المطلوب هنا أن يتحول المثقف إلى ناطق إعلامي، ولا أن يكتب بيانات تعبئة، ولا أن يصفّق للحرب. المطلوب شيء أبسط وأعمق: الوضوح. أن يسمّي العدوان باسمه. أن يفصل بين الخصومة الشخصية وبين تبرير الاعتداء على المجتمعات والدول أن يفهم أن إدانة استهداف الخليج ليست ترفا وطنيا، بل ضرورة أخلاقية وقومية وإنسانية.
فمن يبرر القصف اليوم لأنه لا يحب هذه الجغرافيا أو تلك، سيكتشف غدا أنه كان يشرعن منطق التهديد الشامل، المنطق الذي لا يفرّق بين دولة وأخرى إلا بقدر ما يتيح له ميزان القوة.
إن أخطر ما يفعله هذا النوع من المثقفين ليس فقط أنه يصمت، بل إنه يفسد اللغة ذاتها. يحوّل الكلمات إلى أقنعة، ويحوّل الموقف إلى تمرين في المراوغة. يقول لك: «أنا ضد كل الأطراف»، وهو يعرف أن العبارة هنا ليست عدلا بل هروبا، وكأن إدانة العدوان نقيصة، لا تمييزا أخلاقيا بين المعتدي والمعتدى عليه. ويتبجح قائلا: «المشهد أعقد من ذلك»، مع أن بعض الصور، مهما تعقدت خلفياتها، تحتفظ ببساطة حقيقتها الأولى: هناك صاروخ يسقط، وهناك بلد يُستهدف، وهناك أمن جماعي يُهدد، وهناك مثقف يتهرب من جملة واحدة واضحة.
لعل مشكلة بعض هؤلاء أنهم لا يرون الخليج إلا بوصفه خزانا اقتصاديا، لا حياة كاملة. لا يرون الإنسان الخليجي في يومه العادي، في قلقه على أسرته، في ارتباكه حين تتوتر السماء، في خوفه على بلده، في دفاعه عن استقرار شُيّد حجرا فوق حجر خلال عقود. لا يرون الجامعات، والمكتبات، والمعارض، والأسواق، والمرافئ، والطرقات، والبيوت، والآمال التي تعيش هنا. وحين يغيب الإنسان، يسهل على المثقف المتخشب أن يبرد. يسهل عليه أن يعامل المأساة كأنها مادة للتحليل لا جرحا في لحم مشترك.
ثم إن الصمت هنا ليس نقصا في المعلومات. الوقائع كانت واضحة: هجمات على البنية التحتية للطاقة، استهداف للرياض، ضربات طالت مرافق في دول خليجية، وتصعيد هدد الملاحة والطاقة والاستقرار الإقليمي برمته. ومع ذلك، اختار بعضهم أن يتصرّف كأن شيئا لا يستوجب اللغة. وهذه وحدها فضيحة ثقافية. لأن المثقف ، قبل أن يكون صانع مفاهيم، هو حارس لليقظة الوجدانية. فإذا فشل في هذا الامتحان، صار ما يملكه من معجم ومعرفة مجرد أثاث ذهني أنيق، لا أكثر.
وربما ينبغي قول ما هو أشد صراحة: إن من لا يقف مع الخليج في لحظة استهدافه، لا يخون دولة بعينها فحسب، بل يخون فكرة التضامن العربي نفسها. يخون وشائج الدم واللغة والدين والمصير، لا باعتبارها شعارات قديمة، بل حقائق ما زالت تختبر ضمائرنا كل يوم. نحن لا نعيش في فراغات منفصلة.
ما يصيب الخليج لا يبقى في الخليج، وما يتهدد السعودية أو الإمارات أو قطر أو البحرين أو الكويت أو عُمان ليس شأنا محليا يمكن تعليقه على مشجب «التحفظ». إنه ارتجاج في البيت كله. والصمت أمام ارتجاج البيت ليس حكمة؛ إنه انسحاب من المسؤولية.
الثقافة ليست زينة للمناسبات، ولا منصة لاستعراض الذكاء، ولا حرفة في تدوير الجمل. الثقافة، في لحظاتها النبيلة، هي أن تعرف أين تقف حين يختلط الغبار بالصوت، وحين تواحهك الوقائع بما لا تدع لك مهربا. والمثقف الذي يخذل هذه اللحظة يفقد حقه في ادعاء البصيرة. لأن البصيرة التي لا تنحاز إلى الحد الأدنى من الحق، ليست بصيرة، بل مهارة في تجميل العمى.
نحن لا نطلب من أحد أن يبالغ، ولا أن يهتف. بل على العكس: المطلوب أن يرفض العدوان من موقع أخلاقي رصين، وأن يحمي اللغة من التوحش ومن البرود معا. أن يقول إن استهداف الخليج عدوان مرفوض، وإن تبريره سقوط، وإن الصمت عنه عار فكري. هذا هو الحد الأدنى الذي يحفظ للمثقف صورته أمام نفسه، قبل أن يحفظها أمام الناس.
أما الذين اختاروا الصمت، أو الاحتيال البلاغي، أو التواطؤ المقنّع، فسيبقون شاهدا على زمن انكشفت فيه المعادن: زمنٌ لم يعد فيه السؤال ماذا كتب المثقف، بل أين وقف حين كان البيت العربي تحت النار. وهناك، بالضبط، سقط بعضهم من أعين اللغة قبل أن يسقط من أعين الناس.