د.منصور مرزوق الدعجاني
يُعدّ التراث الثقافي أحد أهم المقومات التي تشكّل هوية الشعوب وتعكس عمقها الحضاري والتاريخي، ومع تنامي الاهتمام العالمي بالسياحة الثقافية، أصبح إحياء التراث والحفاظ عليه من الركائز الأساسية لبناء سياحة حقيقية ومستدامة، والمملكة العربية السعودية هي واحدة من الدول الغنية بالتراث المادي وغير المادي، حيث تمتلك إرثاً حضارياً يمتد لآلاف السنين، ومن هنا، فإن إحياء التراث في المملكة لا يمثل مجرد حفاظ على الماضي، بل يُعد مساراً استراتيجياً لتطوير القطاع السياحي وتعزيز الهوية الوطنية.
إن إحياء التراث يسهم في إبراز الهوية الثقافية للمجتمع السعودي، ويتيح للزائر فرصة التعرف على تاريخ البلاد وعاداتها وتقاليدها الأصيلة، فالتراث بما يحمله من معالم تاريخية، ومواقع أثرية، وفنون شعبية، وحرف تقليدية، يشكّل جسراً يربط الماضي بالحاضر، ويمنح السياحة بعداً ثقافياً وإنسانياً، ومن خلال الحفاظ على هذه العناصر وإعادة تقديمها بصورة معاصرة، تستطيع المملكة أن تقدّم تجربة سياحية فريدة تعكس خصوصيتها الحضارية.
كما أن الاهتمام بالتراث يسهم في تنويع المنتج السياحي داخل المملكة، فالسائح المعاصر لم يعد يبحث فقط عن المناظر الطبيعية أو الأنشطة الترفيهية، بل أصبح يهتم بالتجارب الثقافية الأصيلة التي تعرّفه على تاريخ المكان وروحه، ومن خلال إعادة تأهيل المواقع التاريخية، وترميم المباني التراثية، وإحياء الأسواق القديمة والمهرجانات الشعبية، يمكن خلق بيئات سياحية جذابة تجمع بين الأصالة والحداثة، وهذا بدوره يعزز جاذبية المملكة كوجهة سياحية عالمية.
علاوة على ذلك، فإن إحياء التراث يحقق آثاراً اقتصادية واجتماعية إيجابية، إذ يسهم في توفير فرص عمل جديدة في مجالات الإرشاد السياحي، والحرف اليدوية، وإدارة المواقع التاريخية، وتنظيم الفعاليات الثقافية، كما يشجع المجتمعات المحلية على المشاركة في الحفاظ على تراثها والاستفادة منه اقتصادياً، مما يعزز الشعور بالانتماء والمسؤولية تجاه الموروث الثقافي، وبالتالي يصبح التراث مورداً تنموياً يساهم في تحقيق التنمية المستدامة.
وفي إطار تعزيز هذا التوجه، شهدت المملكة تطورات نوعية تهدف إلى ترسيخ حضور التراث في المشهد الثقافي والسياحي، ومن أبرزها صدور الأمر الملكي الكريم بتأسيس «المعهد الملكي للأنثروبولوجيا والدراسات الثقافية»، والذي يهدف إلى دراسة التنوع الثقافي في المملكة وتوثيق الممارسات التراثية والعادات الاجتماعية وتحليلها علمياً، ويُتوقع أن يسهم هذا المعهد في تعزيز البحث العلمي المرتبط بالتراث، وتوفير قاعدة معرفية تدعم جهود الحفاظ عليه وتوظيفه في التنمية الثقافية والسياحية.
كما جاء تأسيس «جامعة الرياض للفنون» ليعكس اهتمام المملكة بتنمية الفنون بوصفها أحد أهم مكونات التراث الثقافي والهوية الوطنية، فالفنون بمختلف أشكالها، من الفنون البصرية إلى الفنون الأدائية والموسيقى والحرف التقليدية، تمثل وسيلة فعالة لإحياء التراث وإعادة تقديمه بأساليب إبداعية معاصرة، ومن خلال تأهيل الكوادر الفنية وتشجيع الإنتاج الثقافي، تسهم هذه الجامعة في دعم الصناعات الثقافية وتعزيز جاذبية المملكة كوجهة سياحية ثقافية.
إن هذه المبادرات المؤسسية تعكس وعياً متزايداً بأهمية التراث بوصفه مورداً معرفياً وثقافياً واقتصادياً في آنٍ واحد، فإحياء التراث لم يعد مقتصراً على حفظ الآثار أو صيانة المباني التاريخية، بل أصبح مشروعاً وطنياً متكاملاً يشمل الدراسات والبحث العلمي، وإشراك المجتمع في حماية الموروث الثقافي واستثماره.
وختاماً؛ إن إحياء التراث يمثل الطريق الأصدق لبناء سياحة حقيقية في المملكة العربية السعودية، لأنه يربط التنمية السياحية بالهوية الثقافية، ويمنح التجربة السياحية عمقاً تاريخياً وإنسانياً، فكلما ازداد الاهتمام بالحفاظ على التراث وإبرازه، مدعوماً بالمؤسسات البحثية والتعليمية المتخصصة، ازدادت قدرة المملكة على تقديم نموذج سياحي متميز يجمع بين الأصالة والتجديد، ويعكس ثراء تاريخها وحضارتها للعالم.
** **
د.منصور مرزوق الدعجاني - الطائف