علي حسين (السعلي)
لكلِّ نصٍّ أدبيٍّ موسيقاه، نوتةٌ تموج كالبحر وهديره. هناك أصواتٌ طبيعيةٌ نسمعها بيننا، تعيش في محيطنا، ونسافر في فضاء الأصوات سمعًا وطربًا. لكنَّ للشعر وقعًا في القلب قبل أيِّ شيء، ثم يأتي الاستمتاع تمايُلًا وطربًا!
تذكّرتُ هنا قول الشاعر بشار بن برد:
قالوا: بمن لا ترى تهذي؟ فقلتُ لهمُ
الأذنُ كالعينِ توفي القلبَ ما كانا
ما كنتُ أوّلَ مشغوفٍ بجاريةٍ
يلقى بلقيانِها روحًا وريحانا
يا قومِ، أذني لبعض الحيِّ عاشقةٌ
والأذنُ تعشقُ قبل العين أحيانًا
صدق بشار في هذا، مع تصرّفٍ مني، إذ إنّ للحروف صوتًا يختلف عن أيِّ صوت. فعندما نسمع القصيدة، تهزّنا، تؤرّقنا، تقلقنا، وتسافر بنا نحو الاستمتاع بيتًا شعرًا، حرفًا وقافيةً.
ونختلف، في ظني، اختلافًا كبيرًا بين النصوص الأدبية، كالقصة، والرواية، والخطبة، والمقامة، وغيرها. وحين نبحث عن المعاني الحقيقية لهذا الصوت الشعري، منذ البكاء على الأطلال إلى يومنا هذا، نجد أنّ:
فالصوت في القصيدة هو عنصرٌ بنيويٌّ وإيقاعيٌّ حيويٌّ، لا ينتجه الشاعر عشوائيًا، بل هو تنظيمٌ مقصودٌ للأصوات اللغوية (حروف، حركات، تكرار)، يخدم التجربة النفسية والدلالية، ويخلق جرسًا موسيقيًا يُطرب الأذن. ويتشكّل من صفات الحروف (مهموسة/مجهورة، شديدة/رخوة) لتجسيد المعنى، مما يجعل القصيدة وحدةً صوتيةً دلاليةً.
ويتجلّى ذلك في الجوانب التالية:
البنية الصوتية والإيقاع: يُعدّ الصوت من أبرز مميزات الشعر التي تخلق إيقاعًا خاصًا، ويهتم بدراسة صفات الحروف كالمهموسة والمجهورة والشديدة والرخوة.
الدلالة النفسية: تعكس الأصوات في القصيدة التجربة الشعورية للشاعر، حيث يتم اختيار الحروف بعناية لتناسب الحالة النفسية، مثل استخدام السين المهموسة للدلالة على الهمس أو الحزن والشوق.
التراكم الصوتي: يعتمد الشاعر على تكرار أصوات معينة أو أساليب (مثل الاستفهام والنداء) لإضفاء فاعلية صوتية ترسم حالة الشاعر، كالشوق أو المعاناة.
الرمزية والعمق: لم تعد الأصوات مجرد حروف، بل أصبحت وسيلة للتعبير عن الوجود والموت والحب، ونافذةً لقراءة الواقع.
أدوات تشكيل الصوت: يسهم طول الأسطر، والفواصل، والقافية، والوزن في تشكيل صوت القصيدة.
تكمن أهمية الصوت في القصيدة في قدرته على التغلغل إلى الوجدان وملامسة القلب ومخاطبة العقل، مما يعزّز القوة التعبيرية والبلاغية للنص.
سطر وفاصلة
صوتُ القلبِ تسمعه الأعادي..
والنورُ يسري في الشمسِ سعيًا..
اختلطتِ المعاني في ذُرى المجد..
وانهالَ في نونِ العينِ همسًا..
لا نعلمُ ماذا نسمع في ذواتِنا:
القلبُ يبكي أم في الأذن سمعًا؟