شيهانة سعيد الشهراني
الإنسان عند فيكو كائن تاريخي؛ لأنه صانع هذا التاريخ في عبارته المشهورة “أن الإنسان هو صانع التاريخ لأنه لا يعرف إلا ما يصنع”، وتحوي عبارة فيكو هذه بذور فلسفة العمل التي تؤكد على فكرة جوهرية هي أن كل تاريخ للمجتمع هو النمو التاريخي للعمل، فتصور فيكو للعملية التاريخية بأسرها في صورة نمو عضوي يسير إلى التفكك والتحلل، ثم يعود للنمو من جديد؛ إذ اهتم فوكو بالخطاب وكيفية إنتاجه خلال الظروف والتحولات التاريخية، وهيمنة السلطة وتحليلها وفق المرجعية الخطابية انطلاقًا من خطاب فقه اللغة وخطاب علم الحياة وخطاب الاقتصاد السياسي من خلال الأبيستيمية: وهي الأرضية التي تقوم عليها معرفة عصر معين ومجاله المرئي، والمرتكز الثابت الذي يوزع خطاباته، وأن الخطاب هو ككل الأشياء موضوع الصراع من أجل الحصول على السلطة، وشكلٌ من أشكال الهيمنة (فوكو، نظام الخطاب).
وقد جاءت الماركسية فيما بعد لتؤكد أن تاريخ كل مجتمع هو تاريخ الصراع بين الطبقات، وأن الصراع الطبقي هو لب التاريخ البشري، وعلى الطبقة البروليتارية أن تحرر نفسها من سيطرة الطبقات التي تحكمها وتستغلها، كما تحرر في الوقت نفسه المجتمع من جميع ألوان الاستغلال والظلم، والفوارق والمنازعات بين الطبقات (أبو السعود، فلسفة التاريخ عند فيكو، 1997).
وطرح إدموند ويلسون مقالة في “التفسير التاريخي للأدب” وحدد ما يعنيه بالنقد التاريخي في افتتاحيته بتفسير الأدب في جوانبه الاجتماعيَّة والاقتصاديَّة والسياسيَّة، واستمد التحليل الاجتماعي لديه من فيكو وهيجل وهردر؛ إذ يُنظر لموضوعات المجتمع والأدب بوصفها أعمالًا إنسانية داخل سياق من الظروف البشرية الجغرافية والقومية والتاريخية التي ينبغي للنقاد دراستها كلها، وقد مزج ويلسون في أغلب قراءاته الثقافة بالنقد الأدبي بوصف الثقافة لديه الأرضية اللازمة لتحقيق الفهم.
إن أهم ما يتناوله النقد الأدبي في لغة الأعمال الأدبية هي الوظيفة الجمالية، ويعنى بما أنه نقد أدبي بوصف الأعمال الأدبية والتمييز بين أشكالها وتحليلها، وبيان مواضع الغموض والتركيب فيها؛ وبهذه الوظيفة الجمالية يكون تمييز العمل الأدبي الجيد من العمل الأدبي الرديء، فضلًا عن كونها المعيار الرئيس الذي تتحدد به هوية الأدب، فيتعرف من خلالها على الأدب الفني بأدبيته، في ظل ذلك نجد أن كلًّا من النقدين الأدبي والثقافي مكمّلان لبعضهما؛ إذ يتناول النقد الأدبي الجماليات في النص الأدبي، ويتناول النقد الثقافي ما خلف هذه الجماليات من أنساق وقيم ثقافيَّة، فالقصيدة الشعريَّة عند الوردي إضافة إلى أنها قطعة فنية فهي تشكل ظاهرة اجتماعيَّة لها مساس مباشر بما ينشأ بين الناس من صلات التعاون والتنازع، فالأدب لديه شديد الصلة بجوانب المعرفة المختلفة، وقد ركز الوردي على عامل البداوة وأثرها في الشخصية العربية بما فيها من قيم تراكمت وتواترت من رواسب القرون الخالية، وتمثل رواسب القرون الخالية التي انتقدها الوردي الأنساق المضمرة عند الغذامي، ولقد ربط الوردي بين القيم التي كان الناس يخضعون لها من خلال حياتهم الاجتماعيَّة وبين ثقافة القبيلة عن طريق الشعر، فعقب على قصيدة لشاعر جاهلي لشاعر يُدعى “قريط بن أنيف”، اعتدى عليه جماعة من بني شيبان فنهبوا إبله، ولم ينهض لغوثه قومه، فنظم قصيدة يذم بها قومه ويمدح بني مازن الذين عدَّهم أفضل من قومه شهامة وشجاعة، وقد تناول الوردي القيم المتوارية خلف جماليات شهامة بني مازن وشجاعتهم، وجاءت الأنساق المضمرة عند نص الشاعر في قوله:
لو كنت من مازن لم تستبح إبلي
بنو اللّقيطة من ذهل بن شيبانا
إذن لقام بنصري معشر خشن
عند الكريهة إن ذو لوثة لانا
قوم إذا الشرّ أبدى ناجذيه لهم
طاروا إليه زرافات ووحدانا
إلى قوله:
لا يسألون أخاهم حين يندبهم
في النائبات على ما قال برهانا
لكن يطيرون أشتاتًا إذا فزعوا
وينفرون إلى الغارات وحدانا
يعقب د. علي الوردي بأن لهذه القصة دلالة اجتماعيَّة وتاريخية كبيرة، فاستنتج منها قيمًا اجتماعيَّة أقام عليها الشاعر ذمه ومدحه، وعلق بأن الشاعر هنا ربما كان كاذبًا في وصف قومه أو وصف بني مازن، ولعل عاطفته الهائجة هي التي أوحت إليه بما قال، ولكنه مهما كذب في تصوير الوقائع، فإنه لا يستطيع أن يكذب في تصوير القيم الاجتماعيَّة؛ ذلك أن القيم متغلغلة في أعماق عقله الباطن، وهو لا بد أن يتأثر بها من حيث يشعر أو لا يشعر ()، الجدير بالذكر أن هذه القيم التي تبلورت في القصيدة من شجاعة وفروسية ما هي إلا قيم جمالية آوت خلفها قيم أخلاقية واجتماعيَّة كانت تسود المجتمع البدوي قديمًا.
لقد وظف الوردي الأداة النقدية التي كانت أدبية ومعنية بالأدبي/ الجمالي توظيفًا نسقيًّا لتكون أداة في النقد الثقافي، فاستقرأ من الجمل الأدبية في القصيدة الشعريَّة ما يمثل الشجا عة والفروسية في النقد الجمالي، فالقبيلة الفاضلة في القصيدة هي التي تطير إلى الشر حالًا من غير سؤال أو تردد (قوم إذا الشرّ أبدى ناجذيه لهم - طاروا إليه زرافات ووحدانا)، وهي التي تجزي الظلم بالظلم والإساءة بالإساءة، وليس للحلم أو العفو عندها نصيب (لكنّ قومي وإن كانوا ذوي عدد- ليسوا من الشرّ في شيء وإن هانا)، وهي التي تنصر أبنائها سواء أكانوا ظالمين أو مظلومين (لا يسألون أخاهم حين يندبهم- في النائبات على ما قال برهانا)، وهي التي لا تخشى الله عندما تظلم أو تنتقم، بل تذهب في ذلك إلى أقصى حد ممكن (كأنّ ربّك لم يخلق لخشيته- سواهمُ من جميع الناس إنسانا، فليت لي بهمُ قوما إذا ركبوا- شنّوا الإغارة فرسانا وركبانا)، وبذلك استشف الوردي من هذه السطور ما وراء جمالية الشجاعة والفروسية وما كان يسود المجتمع البدوي القديم من معايير أخلاقية ودينيَّة واجتماعيَّة.
ومن هذا المنظور ألحّ إدوارد سعيد على أن البعد الجمالي المنسرب في الصيغ التعبيرية والأسلوبية للنصوص الأدبية يجب ألا ينسينا خلخلة وتفكيك ما تدسه من دلالات قد تكون أحيانًا موشاة بما هو سمج ولا إنساني.