عبدالله العولقي
يُعدُّ رثاءُ النفسِ حالةً عاطفيّةً إنسانيّة ساميةً وهو منْ أشرفِ الشعر وأجلّه، ومنْ أفضل ألوان الرّثاء -إنْ لمْ يكنْ أفضلها- على الإطلاق، وذلك لما يبرزُ في معانيه منْ صورٍ إنسانيّة عظيمة، وقِيَمٍ جماليّة، وعاطفةٍ حزينة، وشعورٍ صادق، فالرّاثي هنا هو المرثي، وأيّ شيءٍ يكونُ أحبُّ من النفس!
وفي هذا المقال سنستعرض لأهمّ قصيدتين في رثاء النفس في التراثِ العربي.
نبدأ بالحكاية الأولى عندما خرجَ عبدُ يغوث بن صلاة بن ربيعة من بني الحارث بن كعب من مذحج مع قومه لغزو قبيلة بني تميم، وكان فارسُهم وشاعرُهم وسيّدُهم الذي لا يُعْصى له أمر، وعندما وصلوا إلى ديارِ بني تميمٍ دارتْ بين الطرفين معركةً حاميةً انتهت بفوزِ بني تميم، وقدْ أسمت العربُ ذلك اليوم (يوم الكُلاب الثاني)، ولأنّ المصائبَ لا تأتي فرادى فقدْ أسرتْ تميمٌ عبدَ يغوث وكبّلته بقيودِ الحديد حتّى لا يهرب، ومن العجيب أنّ الذي أسرَ عبدَ يغوث فتىً نحيلٌ منْ بني عبد شمس يلقّبونه بـ (الأهوج) لحماقةٍ فيه!، وعندما أسره انطلقَ به مختالاً إلى أهله مُكبّلاً، فجاءت أمُّ الأهوج وقدْ ارتسمت على محيّاها سماتُ الدهشة والاستغراب! وأخذت تتأمّلُ عبدَ يغوث وتتفحّصُ وجهه فوجدته رجلاً وسيماً عظيماً تظهرُ على محيّاه سماتُ المُلك والسؤدد، فاقتربتْ منه وقالتْ: منْ أنت؟ قال: أنا سيّد القوم! فضحكت كثيراً، ثمّ قالت: قبّحك الله منْ سيّدٍ حينَ أسرك الأهوج:
وتضحكُ منّي شيْخةٌ عبْشميّةٌ
كأنْ لمْ ترَ قبْلي أسيراً يمانيَا
لقد اعتبرت تميمٌ أنّ أسرَ عبد يغوث ووقوعه مكبّلاً بين يديها انتصاراً آخر، فهو سيّدٌ منْ ساداتِ العرب، وقدْ حاولَ أنْ يفتدي نفسه، ولكنّهم رفضوا ذلك، وطالبوا دمه بدم أحدِ قتلاهم! هذا الأمر الذي رفضه عبدُ يغوث كونه سيّد قومه ولا باءة لهمْ بشخصٍ لا يكافئه منزلةً:
أمعشر تيمٍ قدْ ملكتمْ فأسْجحوا
فإنّ أخاكم لمْ يكنْ منْ بوائيا
وعندها خافت تميمٌ أنْ يهجوهم ويقلّل منْ شأنِ انتصارهم في الحرب وهمْ يُدركون جيّداً مدى موهبته الشعريّة العظيمة، فقرّروا أنْ يربطوا لسانه بنسْعة، وهي سيرٌ من الجِلْد:
أقولُ وقدْ شدّوا لسانِي بنسْعةٍ
أمعشرَ تيْمٍ أطلقوا عنْ لسانِيا
لقدْ أدركَ عبدُ يغوث أنّ تميماً ستقتله لا محالة! فطلبَ منهم أنْ يفكّوا لسانه لينوحَ على نفسه ويذمّ أصحابه لتركهم له، وقدْ تعهّدَ لهمْ ألّا يهجوهم، وعندما تيقّن أنّهم سيقتلونه طلبَ منهم أنْ يسقوه ثمّ يقتلوه، فقدْ قالَ هذه القصيدة وهو أسيرٌ يشعرُ بالذلّ والمهانة بعد أنْ كانَ سيّدُ قومه وفارسهم، فأنشد قصيدته أمامهم وهو ينتظرُ الموت!
ومنْ هنا قالَ الجاحظ: وليس في الأرض أعجب منْ طرفة بن العبد البكري وعبد يغوث الحارثي! وذلك أنّا إذا قِسْنا جودة أشعارهما في وقتِ إحاطة الموتِ بهما لمْ تكنْ دونَ سائر أشعارهما في حالِ الأمن والرفاهية، فهكذا طارت الركبانُ بيائيّة عبد يغوث لجمالها وروعة بنائها، حيث يبتدئ رائعته بخطاب صاحبيه اللذين تركاه يقعُ في الأسر، ويدعوهما ألّا يلوماه، فالملامة نفعها قليل، ولذا فهي ليست منْ أخلاقه وشمائله:
ألَا لَا تلوماني كفَى اللوم ما بيا
وما لكما في اللومِ خيرٌ ولا لِيَا
ألمْ تعْلمَا أنّ الملامة نفعُها
قليلٌ، وما لومي أخِي منْ شماليا
تدورُ هذه القصيدةُ البديعةُ بين مسارين زمنيين، مسار الماضي التليد الذي عاشه عبد يغوث ملكاً على قومه، وفارساً لا يشق له غبار، وشاعراً مبدعاً تُذاعُ قصائده بين العرب، وبين مسار الحاضر المؤلم وهو أسيرٌ كسيرٌ ينتظرُ الموتَ في أيّ لحظة! فيقولُ عنْ ذكرياتِ ماضيه الجميل حسب أنظمة الثقافة الجاهليّة في ذلك الوقت، بأنّه كان كريماً في نحرِ الإبل لضيوفه، ويشقُّ قميصه طرباً وهو بين القينتين:
وأنحرُ للشرب الكرام مطيّتي
وأصدعُ بين القينتين ردائيا
ويمتدحُ شجاعته وفروسيّته:
كأنّيَ لمْ أركبْ جواداً ولمْ أقلْ
لخيلي كرّي نفسي عنْ رجاليا
لقدْ كان حنينُه في تلكَ اللحظاتِ الحاسمةِ ينمُّ عنْ عاطفته الشعريّة الصّادقة في حنينه لسماعِ نشيدِ الرّعاء:
أحقّاً عباد الله أنْ لستُ سامعاً
نشيدّ الرعاء المُعزين المتايا
وحولَ مسار حاضره المؤلم يُخاطب السجّان (العاصَ) وهو الشخص المسؤول عنْ حبسه:
فيَا عاص فكّ القيدَ عني فإنّني
صبورٌ على مرِّ الحوادث ناكيا
ومرثيّة عبد يغوث لنفسه لا تعادلها في الشعر العربي في رثاء النفس إلا مرثيّة مالك بن الريب، وبين القصيدتين تناصٌ عجيب، ولعلّ مالكاً قدْ تأثر بقصيدة عبد يغوث كون القصيدتين منْ قبيل وقعِ الحافرِ على الحافر!
فعندما استجابت تميمٌ لطلب أسيرها عبد يغوث وفكّتْ قيدَ لسانه حتّى يرثي نفسه قُبيل موته ذاعتْ قصيدُته بين بيوت تميمٍ وأفرادها وحُفِظتْ عنْ ظهر قلب! وها هو أحد أبناء هذه القبيلة يتعرّض لموقفٍ لا يختلف عنْ موقف عبد يغوث كثيراً، فينشدُ قصيدةً لا تقلّ عن الأولى روعة وسحراً، فيُكتبُ لها الخلودُ مثل سابقتها!
يقولُ الأديبُ الراحلُ غازي القصيبي عنْ رائعة مالك بن الريب: هذه أعظمُ القصائد في شعرنا العربي كلّه قديمه وحديثه، وهي أقربُ قصيدةٍ إلى قلبي، وأحسبُ أنّ الذين رووا أنّ الجنّ كتبتْ القصيدة ووضعتها تحت رأس الشاعر كانوا مدفوعين بإعجابٍ يشبه إعْجابي.
لقدْ كانَ مالكُ بن الريب ينتمي إلى فئةِ الصعاليك الذين تعرّضوا للقوافلِ ونهبها وسرقة أموال التجار، ولعلّ أشهرهم السليك بن السلكة وعروة بن الورد والأُحيمر السّعدي، لقدْ كانَ هؤلاء الفرسان الشعراء متمرّدين على المجتمع، فقرّروا أنْ يُعيدوا توزيع الثروة وفق منظورهم اللاعقلاني بأنْ يأخذوا المالَ من الأغنياء ويعطوه للفقراء والمحتاجين، دون أنْ ينسوا أنفسهم بطبيعة الحال! وهذه الفئة موجودة في كل التراث الإنساني عموماً، ونجدُ ما يماثلها في الثقافة الغربيّة مثل حكايات روبن هود التي لا تختلف كثيراً عنْ قصص هؤلاء الصعاليك العرب.
لقدْ انتهت حياةُ هذا الصعلوك المتمرّد مالك بن الريب كأروعِ ما تكونُ النهايات عندما تابَ إلى الله وعادَ إلى رشده فقرّر أنْ يخرج مجاهداً في سبيل الله جنديّاً في جيش سعيد بن عثمان بن عفان:
ألمْ ترني بِعْتُ الضلالةَ بالهدى
وأصبحتُ في جيش ابن عفّان غازيا
لقدْ كانت نهايةُ الشاعرِ كأغربِ ما تكونُ النهايات! هذا الفارس الذي خاضَ الملاحمَ الضارية، لمْ يمتْ بضربةِ سيفٍ أو طعنة رمح، بلْ منْ لدغةِ أفعى كانتْ نائمةً في نعله! وعندما بدأ يحسُّ بالموت كتبَ هذه القصيدة وهو يحتضر، فهذه الرائعة تشبه الفيلمَ السينمائي الجميل، حيث تبدأ بلقطاتٍ من الماضي، شجر الغضا الذي ينبتُ في موطن الشاعر والذي حوّلته القصيدة إلى رمزٍ لهذا الوطن:
ألا ليتَ شعري هلْ أبيتنّ ليلة
بجنْبِ الغضا أُزْجي القِلاصَ النّواجيا
لقدْ أقدمَ الشاعرُ على هذه الرّحلة ولديه شعورٌ خفيٌّ عميقٌ أنّها ستنتهي بالموت:
فلله درِّي يومَ أتركُ طائعاً
بنيّ بأعلى الرّقمتين وماليا
بعدها تمضي مشاهدُ الزمنِ داخلَ القصيدة منْ ذكرياتِ الماضي إلى حسرةِ الحاضر وهي لحظات الإحتضارِ في خراسان:
ولما تراءتْ عندَ مرْوٍ منيّتي
وحلَّ بها جسمي وحانتْ وفاتيا
أقولُ لأصحابي ارفعوني فإنّني
يقرّ بعيني أنّ سهيلاً بدا لِيَا
لقدْ أثّرت هذه القصيدة في وجدان غازي القصيبي وهو الشاعر الفنان العارف بأسرار الكلمة والمعنى، وتركت في نفسه أثراً كبيراً، يقول عن ذلك: كلّما قرأتُ البيتَ الأخير تصوّرتُ شاعرَنا المحتضر وهو مرفوعٌ على أيدي رفيقيه يتطلّعُ في لهفةٍ إلى السماءِ صوبَ النّجمِ سُهيل الذي ذكّره بمرابعِ الصّبا في موطنه، فأحِسُّ برعشةٍ فنيّةٍ غامرةٍ يصْعُبُ وصفها، لقدْ ظلَّ هذا البيت يطنُّ كالنحلةِ في ذاكرتي، وربّما في عقلي الباطن حتّى إذا ما رزقني الله أوّل أبنائي الذكور كان أوّلُ اسمٍ تبادرَ إلى ذهني هو سُهيل!
بعدَ ذلك يطلبُ الشاعرُ مالك بن الريب منْ رفيقيه ألّا يتعجّلا بالذهابِ قبلَ موته ولا يطيلا البقاءَ بعدَ دفنه، وأنْ يحفرا قبره بالرّماح والأسنّة تكريماً لبطولته:
فيَا صاحِبيْ رحْلي، دنَا الموتُ فانزلا
برابيةٍ إنّي مُقيمٌ لياليا
أقيما عليّ اليوم أوْ بعضَ ليلةٍ
ولا تعْجلاني قدْ تبيّنَ ما بِيا
وقُومَا إذا ما استلّ روحي فهِيّئا
ليَ القبرَ والأكفانَ ثمّ ابكيا ليَا
وخطّا بأطرافِ الأسنّةِ مضْجَعي
ورُدّا على عيْني فضْلَ رِدائيا
وهنا تمرُّ مشاهدُ الذكرياتِ أمامَ عينيه سريعاً، فيتذكّرُ أيامَ بأسِهِ وقوّته:
خُذاني فجرّاني ببردي إليكما
فقدْ كنتُ قبلَ اليوم صعباً قياديا
ثم تتوالى مشاهدُ ذكرياتِ الماضي، فهنا مشهدٌ منْ مشاهد الفروسيّة:
وقدْ كنتُ عطّافاً إذا الخيلُ أقبلتْ
سريعاً لدى الهيجا إلى منْ دعَانيا
وهنا مشهدٌ منْ مشاهدِ الكرمِ وصلةِ الرّحم:
وقدْ كنتُ محموداً لدى الزّادِ والقرى
وعنْ شتمي ابن العم والجار وانيا
وهنا مشهدٌ منْ مشاهد الصّبر والصّمود:
وقدْ كنتُ صبّاراً على القرنِ في الوغى
ثقيلاً على الأعداءِ عضْباً لسانيا
وهنا مشهدٌ للشجاعةِ والإقدام:
وطوراً تراني في رحىً مستديرة
تُخرّقُ أطرافُ الرماح ثيابيا
وهذا مشهدٌ للعبرةِ من الحياةِ والموت:
تذكّرتُ منْ يبكي عليَّ فلمْ أجدْ
سوى السيف والرمح الرُّدينيِّ باكيا
وتستمرُّ القصيدة في مشاهدها المتدفقة حتّى يصلَ الشاعرُ إلى نهايتها، فيسألُ صديقيه أنْ يُبلّغا نعيه إلى عشيرته كلها:
فيا راكباً إمّا عرضت فبلّغن
بني مالكٍ والريب ألّا تلاقيا
ويطلبُ منهما أنْ يُسلّما ثيابه إلى أخيه وأنْ تبلّغُ زوجته همسة الوداع:
وبلّغْ أخي عمران بُرْدِي ومئزري
وبلّغْ عجوزي اليومَ ألّا تلاقيا
ويطلبُ أنْ تُنْقَلُ تحيّاته إلى أبويه وبعض أقاربه:
وسلّمْ على شيخيّ منّي كليهما
وبلّغ كثيراً وابن عمّي وخاليا
ويطلبُ أنْ تُتْركُ ناقتَه ترعى طليقةً ويتصوّر ما سيحدثُ عندما يراها أصدقاؤه فيشعرون بحرقة الألم لفراقه، وعندما يُبْصرُها أعداؤه فيشعرون بالفرحةِ والشماتة:
وعطّلْ قلوصي في الرّكاب فإنّها
ستفْلِقُ أكْباداً وتُبْكي بواكيا
يقولُ غازي القصيبي: إنّ هذه القصيدة رائعة عظيمة لا للغتها، ولا للفكر العبقري المختفي وراءها، فليس ثمّة فكرٍ عبقريٍّ، ولا لصورها المبتكرة فلا يكادُ يوجدُ فيها شيء! ولكنْ لأنّها تصوّرُ بروعةٍ وأمانةٍ موقفاً حقيقيّاً لإنسانٍ حقيقيٍّ يوشكُ أنْ يدخلَ أبوابَ أعنفَ التجارب البشريّة، تجربة الموت!