م. عبدالإله الطويان
قبل أن أشيّع في كلماتي هذه السيدة الكونية والأديبة العذبة والمثقفة المرموقة، لطفية الدليمي، يجدر بي ذكر سيرتها التي لا تختصر بكلمات المقال ولا بواقع الحال؛ فرحيلها يمر ثقيلاً، ولا تبدّده الكلمات.
أوقدت الراحلة مشروعاً تنويرياً في العالم العربي يندر أن نجد له مثيلاً في واقعنا المعاصر، والذي هو بدوره يشهد – أي التنوير العربي – تردياً على المستوى الفكري والأدبي. وقد امتد مشروعها التنويري لأكثر من ثلاثة عقود بين المهجر والمنفى، وهي التي تقول في سيرتها العذبة:
«لا أرغب في زيارة بغداد. أقولها كمن يطعن نفسه بعبارة يعرف أنها ستجعله ينزف طويلاً. صحّتي لا تعينني. لن أخاتل في هذا لكن حتى لو أعانتني صحّتي فلا أفكّر في الرجوع إلى الحضن الأوّل بعد أن غادرته، ولم أحسب أن تكون تلك المغادرة نهائية. بغداد التي كنت أعرفها لم تعد بغدادنا. كلّ ما تبقّى من بغداد في قلبي: رائحة دجلة، ظلّ شجرة، ومقهى صغير كان يضحك فيه الزمن، ونبادله نحن الضحك. لم نتحسّب لما تخبّئه الأيام».
أعود لمشروعها الذي أرادته الراحلة ليكون إرثاً موسوماً بأسطوريتها الخالدة ،حيث أرادت الاحتفاء بالعلم الطبيعي دوماً، وسبر لغته بالأدب. وهي سليلة اللغة، مرهفة الحس، مالكة العبارة، مبدعتنا وراعية أحلامنا في الأدب؛ السيدة التي رسمت روحها بين سطور كتاباتها في الرواية، والقصة القصيرة، والمسرح، والرحلة، والبحث، وأعمالها العديدة في الترجمة. وفي مؤلفاتها المحمومة بحب الفيزياء والأحياء والنبات، تجدها حاضرة، حيّة بابتسامة الأم الرؤوم ونظرتها الحانية.
غياب -ولا أقول رحيل- السيدة الكونية لطفية الدليمي ملأني أسفاً؛ فهي من السيدات النوادر اللواتي يكتبن بلغة جامعة بين العلوم الطبيعية والإنسانية. وهي، فضلاً عن سماحة شخصيتها، تعكس حضوراً إنسانياً وأنثوياً أنيقاً وأمومياً يشع من ابتسامتها. كانت فريدة ونادرة في كل شيء، حتى اختيارها لهذا الغياب الطويل؛ اختارت الغياب الهادئ -أي الانتقال من حالة إلى أخرى- ومضت محفوفة بأنوار المحبة والسلام.
غياب لطفية الدليمي من الخسائر الكبيرة لزمننا القاتل مثلها يبقون أحياء في ذاكرة الأدب والفكر والتنوير. مشاريعها تبقى حيّة في وجدان محبيها، وحضورها يسطع في سماء الفكر العربي الشحيح بالعظماء أمثالها. خسارة كبيرة لا تعوّض، عزاؤنا فيما تركت من نتاج فكري غزير وترجمات قيمة.
لم يتح لنا الزمن، نحن محبيها وقرّاءها، أن نلتقي بها في المناسبات الثقافية، لكن كل من التقى بها يذكر أنها كانت تعادل عمراً من الألفة والمحبة والاحترام الذي يدوم رغم شح حضورها الاجتماعي.
يتداخل النمط العلمي مع الروائي في عالم لطفية الدليمي تداخلاً يبدو قسرياً في معظم الأحيان، ولعلّ هذا ما يفسّر لنا انغماسها في العلم والبحث المستمر في العتبات العلمية في حقول الفيزياء والذكاء الاصطناعي والأحياء تحديداً. فضائل لطفية الدليمي ومحاسنها وإبداعاتها الأعظم تتجلّى خارج نطاق الرواية والأدب، وتتجلى على وجه التخصيص في ميادين ثلاثة:
الميدان الأول هو كتاباتها الفكرية، سواء كانت في حقل التنظير الروائي أو الانشغالات الفكرية غير الروائية. أبدعت كثيراً في مثل هذه الكتابات، وأظن أن قراءة كتب: «آفاق لانهائية» و»عن المستقبل آفاق ممكنة للإنسانية» تقدّم مصاديق مؤكدة لما أذكره.
كذلك حواراتها الشائقة مع الأدباء والعلماء والفلاسفة، سواء الأصيلة أو المترجمة، لها حماسها الخاص ولذتها لدى المتلقي المتعطّش لتلكم المعلومات والسرد الأدبي لها بلغتها المحمومة بالجمال. لذا الاكتفاء برواياتها من غير إطلالة جادّة على حواراتها وكتبها غير الروائية إنما هو تبخيس لاستحقاقها وإبداعها الكبير، وتفويت لفرصة الاطلاع على عملاقة لا تكتفي بكتابة الروايات والحوارات.
الميدان الآخر الذي أبدعت فيه الراحلة هو فن المقالة؛ فهي أحد أعظم من كتب في هذا الحياض الفكري والأكثر إبداعاً. ومن خلال ملاحظاتي عبر تتبع إنتاجها الفكري نجد أن من مقالاتها نُشرت في كتب مستقلة يجمعها رابط فكري محدّد أحياناً، وقد لا يجمعها هذا الرابط في أحيان أخرى، لكنها تظل مادة ثرية للقراءة.
تكتب في آخر المقالات والوداعات الهادئة والمؤلمة:
«نبحث طويلاً عمّا ينقصُنا، ونادراً ما نتأمّل ما هو طوعُ أيدينا. نعيشُ وكأنّ الحياة مدينة لنا بشيءٍ إضافي دائماً؛ بينما العطايا الصامتة تنسلُّ من حولنا بلا امتنان، بلا اعتراف، وكأنها تفاصيل لا تستحقُّ الوقوف عندها. الحقيقة المؤلمة -لو عرفنا- أنّ كثيراً مما نفتقدُهُ ليس مفقوداً بل مركونٌ في زاوية النسيان.
نحوزُ في حياتنا أشياء لو أدركنا قيمتها لخشيْنا فقدانها كما نخشى على أعمارنا: سلامُ الروح، وسكينةُ القلب. نبدّدُهُما بنزقٍ غريب في خصومات لا ضرورة لها، وفي كراهية مستعجلة، وفي أزمات نص نعُها بأيدينا ثم نشكو ثقلها الضاغط على صدورنا.
كم مرّةً خضنا معارك كان يمكنُ تفاديها؟ كم مرّة تشاجرنا لنبرهن لأنفسنا والآخرين أننا على حق، وخسرنا في المقابل راحةَ يومٍ كامل؟ كم مرّة حمّلْنا قلوبنا ضغائن أثقل من قدرتها على الإحتمال، ثم تساءلنا لماذا صرنا مُتعَبين؟
أحياناً، يكفي أن نتوقّف قليلاً لنسأل -أو نسائل- أنفسنا سؤالاً بسيطاً: هل فكّرْنا يوماً في نعمةِ أن نضع رؤوسنا على الوسادة لنغفو، دون أفكار متزاحمة، دون قلق ينهش صدورنا، ومن غير تصارع الأحشاء الداخليّة، بعيداً عن حوارات مؤجلة لا يطيبُ لها ملاعبتُنا بخبث إلّا في جوف الظلام حيث نتوقُ إلى راحة مفتقدة؟
هل نحسبُ هذا أمراً يسيراً؟ أؤكّدُ لك، وهذا بعضُ أثمنِ ما تعلّمتُهُ في حياتي، أنّك لو استطعت أن تنام بقلبٍ تعمّرُهُ السكينةُ، وروح فيّاضة بالسلام، فأنت أحدُ ملوك هذا العالم، حتى وإنْ لم تحمل صولجاناً، ولم تَحِطْك الهيبةُ أو الأضواء. مَلِكٌ بلا ضجيج، بلا عرش، بلا هيلمانات؛ لكنْ بثروة لا تُقدّرُ. أتصدّقُ أنّ كثرةً من هؤلاء يحسدونك على النعيم الذي تقيمُ فيه؟»
قرأتُ كل ما كتبت لطفية الدليمي، ولكن ما أعرفه حقاً أنها لديها ولعٌ تواق في تحويل المعرفة إلى لغة رصينة وعذبة، إلى جانب لغتها الساحرة التي كانت تشيع بالحميمية والاطمئنان. كل ما تكتب لطفية الدليمي هو جزء منها، حتى القارئ يصبح مشبوباً بلغتها الفردوسية الراقية. الحديث عن الراحلة حديث يمس جزءاً ذاتياً مع مشاعري الشخصية لها.
من مؤلفات الراحلة الثرية والغزيرة: «إضاءات العتمة»، «كاليدوسكوب», «آفاق لانهائية», «اكتمال العالم», «طريق الحكمة، طريق السلام» وهو ترجمة لشخصية السلام الدلاي لاما ذائع الصيت، «الفكر العابر للإنسانية», «الثقافة الثالثة», فضلاً عن الأعمال الروايات والحوارات المترجمة الأخرى التي لا تقل أهمية وعذوبة والتي تعكس شخصية هذه السيدة الكونية.
فلتصعد روحكِ في أعالي السماوات، وليس لنا سوى أثركِ يا أم أيار، مؤمن بأن الفكرة تبقى تمشي بين الناس، لذا ستبقى أفكارك ورؤاك تضيء العتمة.
وداعاً سيدة السرد والحس المرهف، وصاحبة الحرف الذي لا يشيخ. برحيلكِ تُفقد قامة ثقافية سامقة، وقلماً نبيلاً ظل وفياً للحرف، وللجمال، وللإنسان.