حامد أحمد الشريف
للسينمائي الكبير «الفريد هيتْشكوك» مقولة عظيمة، يمكن استخدامها كقاعدة في الكتابة السردية تؤطر العلاقة بين النص وقارئه، وتؤسس لما يعرف بالتشويق والإثارة السردية يقول فيها: «لا يوجد تشويق في الانفجار، بل في انتظار الانفجار». هذه العبارة استخدمت كقاعدة ذهبية في بناء التوتر والقلق السردي المقروء والمشاهد وكتبت على هيئة معادلة رياضية مهمة لا تستقيم النصوص الإبداعية إلا بتطبيقها، ونصها: التشويق= المعرفة المسبقة + التأجيل.
وكان رولان بارت الناقد الفرنسي المعروف قد تناول التشويق والإثارة من خلال حديثه عن الأنظمة الدلالية أو ما بات يعرف بالرموز الخمسة التي وضعها ونصح باستخدامها لقراءة النصوص وتحليلها وأتى ضمنها الرمز التأويلي أو ما يسمى “hermeneutic code” الذي عرفه بأنه «كل عنصر في النص يخلق سؤالًا أو لغزًا أو يصنع غموضًا أو نقصًا في المعارف والمعلومات تستدعي انتظار التفسير أو الحل لاحقًا. وهذا يعني بصورة مبسطة أن رولان بارت اجتهد في دفعنا للاهتمام بشبكة الأسئلة والألغاز والاحتمالات والتأجيلات التي يتم الإجابة عنها لاحقًا واعتبرها قيمة إضافية للنصوص بنيت عليها نظرية التلقي المعنية بالإثارة والتشويق.. كل ذلك أوجزه لنا في عبارته الشهيرة التي يقول فيها: «النص يطرح أسئلة ويؤخر جوابها، وبذلك ينتج الرغبة في القراءة».
«أمبرتو إيكو» أيضًا تناول التشويق في حديثه عن كون السرد لعبة توقعات في قوله: «النص آلة لخلق قارئ يتوقع». ويروى أيضًا عن نجيب محفوظ قوله في أحد حواراته: «على الكاتب أن يجعل القارئ شريكًا في القلق» انتهى كلامه. والقلق عادة ما يتطلب معلومات غير مكتملة تحفز على المتابعة بغية استكمالها.
وخلاصة القول، فإن التشويق الذي نعني به حالة الترقب التي يعيشها القارئ بانتظار ما سيحدث لاحقًا؛ يقوم على خلق سؤال أو غموض ما، أو قلق قرائي، وتأجيل الإجابة عنه أو تبديده أو تهدئته، بينما يقصد بالإثارة، الشحنة الانفعالية التي تنتج عن تراكم التشويق. ويقاس بالطبع هذا النجاح للتشويق بكمية هذه الشحنة التي ستنفجر عند وقوع الحدث المرتقب، وهي وسيلة رائعة لربط القارئ بالنص وانكبابه على القراءة. وتعد احتياجًا حقيقيًا للنصوص مهما كانت موضوعاتها. وليس كما يُعتقد أنها تقترن بالسرد البوليسي والصراعات العنيفة والأحداث الدامية والماورائيات.
وإيمانًا مني بهذه القيمة البنائية المهملة، اتخذتها مدخلًا للحديث عن رواية «فوق الجاذبية» للكاتب السعودي المبدع «أحمد الشدوي»، إذ يمكن الاستشهاد بها لبيان أهمية التشويق والإثارة وعلاقتهما بالكتابة السردية الإبداعية فقد تميزت الرواية كثيرًا من هذه الزاوية كما سيأتي لاحقًا.
في هذا العمل الجميل الذي يقع في (246 صفحة) من القطع المتوسط وظّف المؤلف أكثر من وسيلة لخلق التشويق والإثارة المطلوبة بداية من تصميم الغلاف، حيث استُخدمت عين الإنسان وهي عنوان صريح للجاذبية، لكنها ظهرت وكأنها تسبح فوق السحب. ووضع العين على هذا النحو فيه تمويه للمعاني المستهدفة التي يمكن استقاؤها من التصميم، ما يشي بتعدد التوقعات المحتملة لعنوان الكتاب وعدم حسم جدليته، فالسحب بقوامها الغازي المعروف وتأثرها الكبير بالجاذبية الأرضية ليس باستطاعتها منع العين من السقوط. إذًا ما الذي جعلها تتغلب على قوى الجذب؟! وكيف تحولت من قوة جاذبة إلى قوة مقاومة؟! وبالتالي أصبح التصميم مشوقًا ومحفزًا على القراءة إذ إن الإجابة عن هذه الاستفهامات مؤجلة يقينًا، ويعني ذلك أن صورة الغلاف أتت في ذات السياق الذي نتحدث عنه.
العنوان كذلك حمل دلالات سيميائية عميقة بخروجه عن المألوف عند استخدامه عبارة تحتاج للتوقف والتمعن لفهمها وتجعل القارئ يدخل للعمل محملًا بهذا الهم، في ظل أن صورة الغلاف وظهره لم تفك تعقيدات الفهم، بل زادته إرباكًا وخلقت القلق الإبداعي المفضي للتعلق.
تكوّنَ العنوان من مفردتين متداولة وشبه مفهومة فكلنا يعرف أن الجاذبية تعني فيزيائيًا: القوة التي تجذب الأجسام بعضها إلى بعض، وأنها الصفة التي إذا ما ارتبطت بالأدب اعتبرت النصوص لافتة ومحببة وقريبة من النفس، كما نعلم أنها تستخدم في العلاقات الإنسانية وتشير إلى الاقتراب الوجداني والروحي بين الأشخاص. أي أن الجاذبية بصفة عامة هي القدرة على الشد والجذب. بينما تأتي مفردة فوق في اللغة بمعنى العلو المكاني أو الارتفاع النسبي، لكنها ليست كذلك في دلالاتها الفلسفية واستخداماتها الكلامية المختلفة، وبالتالي لا يمكن النظر إليها بهذه البساطة وتجاهل المعاني المتعددة التي تحتملها طالما لم تأتِ في سياق يحسم جدلية المعنى، فقد يُقصد بها القيمة والسلطة، أي السيد مقابل التابع، والأعلى مقابل الأدنى، كقولنا العقل فوق الجسد لإيصال فكرة أن العقل يهيمن على رغبات الجسد، وقولنا القانون فوق الجميع في وصف شموليته وعدله، وقد تأتى بمعنى الهيمنة والسيطرة والتراتبية المبنية على ميزان القوى فيكون صاحب القرار في الأعلى والخاضع في الأسفل، وقد تعني الغطرسة والنرجسية، أو ما نطلق عليها الفوقية التي تظهر كثيرًا في حواراتنا مع من لا يعون أبجديات الحوار، كما يمكن استخدامها لتجاوز المحسوس إلى غير المحسوس. وقد يكون فيها إشارة إلى الأكمل والأصدق اعتمادًا على فلسفة أفلاطون التي تشير إلى أن عالم المثل فوق عالم الحس، وبالتالي نتوقع أن العنوان بالفهم الأفلاطوني يشير إلى التعالي على قوى الجذب، والسمو فوق أي مشاعر أو أحاسيس تهيمن على قراراتنا. وأخيرًا قد تشير هذه المفردة إلى الانعتاق من تأثير الغرائر وعدم الخضوع للألم إذا ما نظرنا إليها من منظار أصحاب الفلسفة الوجودية والروحية، أي أنها قد ترمز للنضج والوعي لا للتعالي والتفوق الظاهري على البشر.
هذه الاستعمالات المحتملة لمفردة «فوق» إذا ما دمجناها مع الجاذبية، تذهب بنا في عدة اتجاهات، فقد يكون المقصود من العنوان التعالي والسمو على الغرائز الإنسانية، أو لعلها تشير إلى تسخير غريزة الجذب بطريقة سلطوية وتوظيفها في العلاقات الإنسانية، أو ربما أريد بها العكس وبالتالي رفض الخضوع لها ومناوأة السلطوية وإخضاعها، ما يعني أننا أمام عدة معانٍ محتملة غير محسومة، وهذا يكفي للحديث عن تشويق وإثارة العنوان، ونجاح المؤلف في خطوته الأولى بخلق علاقة جيدة بين النص والمتلقي، وتحقق معادلة التشويق التي ذكرناها سلفًا، فهناك انفجار معرفي مرتقب لا نعلم مكانه وزمانه طالما أن جدلية المعنى قائمة وينبغي فضها والاستقرار على معنى محدد لفهم مغازي النص وعمقه الدلالي.
البناء السردي أيضًا لعب دورًا كبيرًا في تشويق السرد وإثارته، وأتى النص ليحقق هذه القيمة المهمة بعدة تقنيات إبداعية منها البناء السردي الدائري أو الحلقي “Circular Narrative” وهذا النوع من السرد كما هو معلوم يأتي على عكس البناء الكلاسيكي المعتاد الخطي “Chronological Narrative”، ويمكن بالتأكيد استخدامه لزيادة تشويق وإثارة النص، ولعل الجميل هنا هو المزج بين هذه الأساليب السردية وضبطها مما يشير إلى أن حضورها كان بإرادة حقيقية من الكاتب ولم تكن عفوية.
فبداية العمل استخدمت البنية الزمنية المعروفة بـ “Analepsis” التي يطلق عليها الـ “Flashback” بوضع النهاية كمقدمة للرواية والانطلاق من خلالها للسرد الدائري الذي أحدثكم عنه، نرصد ذلك في قوله (ص8): (يعود خالد يشاهد نفسه من أول الاحتراق، كان يحاول العودة للمركبة الفضائية، بينما تتعطل مفاصله من شدة الحرارة، ولهيب الاحتراق.) انتهى كلامه. لنجد أن المشهد يتكرر معنا في نهاية العمل، ولكن، بتفصيلات أكبر أزالت لبس الفهم الذي تولد في بداية الدخول إلى السردية، أو لنقل حدوث الانفجار المرتقب في (ص 214)، يقول: (زحف خالد للمخرج الأخير من الداخل، حيث الحرارة ثلاثون درجة، وتلقفته رؤيا وبقية الرواد، أزالوا اللباس المحترق. وأدخلوه كبسولة تخفيض الطاقة، فيها تنخفض درجة عمل أجهزة الجسم إلى درجة النوم بل أكثر من ذلك، ويفترض أن تمر أربعة أيام على الأقل كي يستعيد الجسم قدرته على التخلص من آثار التبريد الشديد ويعمل دون مضاعفات.) انتهى كلامه.
وهكذا نجد أن المؤلف استطاع ببراعة خلق أجواء مشحونة بالإثارة والتشويق من بداية النص، بحدث مبهم غير مكتمل، ومقطوع من سياقاته السردية، يستمر معنا حتى اقترابنا من النهاية عندما يضيء على المشهد الأول ويفك تعقيداته الفهمية، ويستكمل معادلة التشويق.
وقد تكرر ذات الأسلوب في الحكايات الشذرية الصغيرة كحكاية بيزار وأخته فرجينيا (ص 31 إلى 43) التي استخدم فيها النص كل هذه التقنيات السردية بالعودة من الخلف، والتشظية الحكائية لكامل الحكاية، والكل مقابل الجزء أو العكس، وفي ظني أن ذلك توظيف رائع للتشويق والإثارة، واستخدام أمثل لها بطريقة ممنهجة وليست عشوائية، وهذا يحسب للنص وصاحبه.
أي أننا وفي كل التوتر الدرامي أو البناء الحدثي لهذا النص بكافة مستوياته القرائية، تكرر وقوفنا أمام بداية من النهاية، كما حدث مع حكاية بيزار وفرجينيا، وكذلك مع حكاية رمضان التي سُردت في الفصل الثاني كاملة وكنا نعود إليها كثيرًا خلال تنامي السرد بما يشبه الحلقات الدائرية الشذرية عند ربطها بالحكاية الأساس، فقد وردت في عدد كبير من الصفحات كصفحة (58 و 59 و 85 و 86 و 104 و 127 و 161 و 189 و 215) وهذا يعني أن كل الأحداث الدرامية والصراعات المحورية داخل النص السردي بأحجامها المختلفة كتبت بذات الطريقة.
حيث تبدأ من نقطة متأخرة وتأتي بعدها الحكاية مفتتة على مراحل لتتداخل مع بقية أجزاء السرد الخطي حتى وصولنا إلى النهاية، وكان في ذلك قمة الإثارة والتشويق الذي يحتاجه العمل السردي مهما كانت قيمته لربط القارئ بالنص وتلقيه الجيد له.
ومن الأساليب التي استخدمها السارد أيضًا ونجح فيها أيما نجاح في البعد التشويقي، هو تشظية الحكايات بكافة مستوياتها، وبعثرة أجزائها بطريقة فنية تماهت مع بنائية النص، وبالتالي إنهاك القارئ بلملمة شتاتها، وقد برع النص في ذلك، فحتى الحكايات الخطية الكلاسيكية كتبت على هيئة تشبه كرات الثلج التي تتدحرج لتندمج مع بعضها فتشكل الكرة الكبيرة.
وكان هناك تنوع في عرض الحكاية الرئيسة والحكايات الفرعية، حيث عُرض بعضها بطريقة شبه مكتملة دفعة واحدة -كما حدث مع حكاية رمضان- التي أتت على ثلاثة أوجه سردية، فكانت البداية من خلال إشارة مبهمة وغاية في الغموض في (ص10) يقول: «ها هو رمضان منفرجة شفتاه، ممسكًا بالسماء، ناظرًا لمركبة الفضاء مصوبًا قلبه لخالد، فيما كان خالد يرى ما قبل ولادته ويسمع ما بعدها.» انتهى كلامه.
ثم أتت الحكاية مكتملة في الفصل الثاني الذي خصص كاملًا لها، وتعدد بعد ذلك حضورها متفرقة في كامل الرواية كما أسلفنا بما يشبه القص القرآني في تشظيته لقصص بعض الأنبياء والأمم السابقة.
هذا النهج السردي المثير والمشوّق، القائم على التشظّي والإيعاز للقارئ للنهوض بمهمّة الجمع والترتيب، على غرار لعبة تجميع أجزاء الصور المبعثرة، وهو نهجٌ عُرفت به «الواقعية السحرية» -سنأتي على ذكرها لاحقًا- قد رافقنا في معظم أجزاء العمل. كحكاية خالد ورؤيا التي انطلقت من بحثه عن اللوحة اليتيمة لدافنشي (ص 21)، ثم تعقّدت باكتشافه لوحة «رؤيا» المعروضة في أحد المعارض بإيطاليا (ص 28)، وما قيل له حينها بأنها الصورة الحقيقية لدافنشي، وأن طالبةً في جامعة هارفارد هي من رسمتها؛ وشروعه بعدها في رحلة بحثٍ مضنية عنها.
وبالتأكيد هذا التنوع في سرد الدراما أو الصراعات، والتلاعب الكبير في طريقة عرضها، والتقنيات المختلفة التي استخدمت لتحقيق ذلك، خلقت إثارة وتشويقًا كبيرًا يقود القارئ للالتصاق بالنص والبحث الدائم عن الجديد الذي يكمل نواقص الحكاية، أو يقوم بتفسيرها، أو يساعد على النفاذ لعمقها وتأويلها، والاعتماد على خلق استفهامات أكثر من وضع إجابات بطريقة لا تبدو سياقية غير مقصودة.
وهو الأسلوب السردي الذي يُستفاد منه في خلق بيئة للتعاطي الجيد مع النص، وترك فجوات يردمها القارئ، أو كما يسمى في نظرية التلقي: إعادة بناء النص في ذهن القارئ، وهذا كله يخلق أجواء مثيرة ومشوقة تدفع القارئ للمتابعة طالما هو يقوم بوضع فرضيات يختبرها لاحقًا ويشتغل بردم الفراغات وتشكيل أو توقع التأويلات، ويعمل بطريقته في وضع نص جديد يوصل المعاني التي استقاها، وقد نجحت السردية في هذا الأسلوب الإبداعي بشكل ملحوظ.
نجحت الرواية أيضًا في توظيف الواقعية السحرية ودمجها بالنظريات العلمية الواقعية المثبتة والأخيلة العلمية غير المثبتة (المتخيلة)، وتوظيفهما في تشويق وإثارة النص، وهناك كثير من الشواهد على هذه التقنية كما يظهر في (ص23) عند قوله: «الشارع يتفلطح وينقبض، والناس يكبرون ويصغرون، عامل القمامة يدخل ويخرج في فتحة الصرف، وأسنان الشبكة تقسمه لمستطيلات لا تلبث أن تعود لتجتمع» انتهى كلامه.
فمثل هذه العبارات التخيلية تُعد من الأساليب التشويقية التي استخدمها النص، وتدرج ضمن مدرسة الواقعية السحرية، فالأحداث تجري في واقع حقيقي نتفق عليه: الشارع، البيت، النادي الصحي، المكتب، السيارة، سفينة الفضاء. لكن الحدث نفسه غير واقعي، كتفلطح الشارع وانقباضه، وتغير أحجام البشر، ودخول عامل القمامة من فتحة الصرف، وتقسيمه لمستطيلات.
هذه التقنية الجميلة استخدمت بطريقة أخرى تتعلق بمجمل الحدث الموصوف بكل تفصيلاته بأن يكون غير واقعي ويمكن إدراجه ضمن الخيال العلمي حتى لو كان في أقل درجاته، ما يعني إمكانية حدوثه في وقت قريب وتقبل العقل له، كاستخدام جهاز جديد وردت تفصيلاته في (ص168) وهو الجهاز الذي يتطلب من رائد الفضاء التعود عليه وتجربته في رحلة الفضاء المرتقبة التي تستلزم مقاومة السرعات الهائلة، والتعرض لدرجات حرارة عالية جدًا عند الاقتراب من الشمس، وما قد يترتب عليه من أضرار محتملة داخل المركبة وخارجها.
وجدير بالملاحظة أنّني لم أستسغ إدراج هذا الجهاز ضمن أجهزة الجمباز الرياضية؛ لعدم انسجامه مع مواصفاته المذكورة إطلاقًا، وقد كان هذا مأخذًا على النص.
والجميل في هذا الاستخدام للأخيلة العلمية البسيطة، أنها مبررة في سياقاتها المشهدية، وترتبط بالصراعات الموصوفة، وتأتي ضمن سياق القصة الأساس التي تعتمد على وجود أشخاص خارقين بمواصفات معينة يمكن استخدامهم في المركبات الفضائية عند زيارة الكواكب القريبة من الشمس ككوكب عطارد، ومحاولة اختبار بعض الفرضيات العلمية غير المثبتة، ومحاولة إثارة بعض الجدليات العلمية الواقعية حولها، كالحديث عن فيزياء الكم والغوص في بعض نظرياتها غير المحسومة.
أي أننا نتحدث هنا عن واقعية سحرية تتعلق بالنظريات العلمية المثبتة وتلك التي في طورها التخيلي كما ورد في (ص74) في حديث الفتاة رؤيا عن بعض نظريات فيزياء الكم، كفرضية استمرار نشوء المادة من العدم وعلاقتها بالثقوب الكونية، وكذلك وجود الزمن خارج الكون وفض علاقته بالمكان أو ما يعرف بـ «الزمكان» الذي يشير إلى ارتباط الزمان بالمكان في القياسات الفيزيائية الواقعية المعمول بها حتى هذه اللحظة، وبحثها في اتجاهات مختلفة غير واقعية لإثبات تصور الفتاة عن الزمن خارج كوكب الأرض والاصطدام بالحقائق العلمية التي تنظم الحياة عليه، وتفسر كل تفاعلاته الفيزيائية.
وخلاصة القول فيما يتعلق بالواقعية السحرية نجد أنها مكون أساسي يمضي معنا من بداية الرواية حتى نهايتها، وهو ما دعا الأستاذ الدكتور أحمد صلاح هاشم الناقد المصري المعروف إلى إدراج الرواية كاملة ضمن روايات الشباب المعتمدة في هيكليتها على الواقعية السحرية، وبالتأكيد لا يمكننا إنكار ذلك إذ إن الرواية في معظم أجزائها تدور بالفعل في هذا الفلك، وتنحو باتجاه الأخيلة العلمية في صورتها المبسطة التي تجيز لنا النظر إليها من هذا الباب، كقصة رمضان التي أتت في كثير من جزئياتها على أحداث وصراعات غير واقعية، مثل الأحاديث التي رويت عنه وقت موته وتشييعه وإدخاله في قبره على سذاجتها وبساطتها كونها ارتبطت بأبناء القرية البسطاء، وتأتي حكاية جهاز الجمباز الذي اختبر من خلاله خالد، وحكاية خروجه وعودته للمركبة، حيث إن كل هذه الحكايات ليست واقعية وتعد خيالًا متجاوزًا من النص ولقد أضافت شيئًا من التشويق والإثارة وأسهمت في الارتباط بالنص والسعي خلفه، على بساطتها ومخاطبتها للمراهقين والشباب بالدرجة الأولى.
وفي الواقع لم يكتفِ النص السردي بكل التقنيات السابقة رغم قيمتها وتأثيرها الكبير، ووظف معها الإيقاع الزمني السريع لزيادة غلته من التشويق والإثارة، فتوالي الأحداث وسرعتها كان ملاحظًا، ويعد إطارًا زمنيًا يرتبط تقريبًا بكامل العمل من بدايته وحتى نهايته، كما حدث في (ص52 و53) عندما اختزل النص أربعة عقود في عبارات بسيطة جمعت شاه إيران أحمد قاجار، ورضا بهلوي وابنه محمد، والمستشار الديني له المدعوم منتظري، والشاب الصيني، والشاب الياباني سوموزي، وهي حكاية طويلة انتهت بتهريب منتظري من ميناء البصرة، لكنها دونت بإيقاع زمني غاية في السرعة لم يتخطَّ الصفحتين، ووظفت الحكاية في زيادة تشويق وإثارة النص إذا ما دمجناها بالتقنيات السردية السابقة، وهو أسلوب بالمناسبة وقفت عليه في الروايتين اللتين اطلعت عليهما للكاتب وهما رواية (الشبورة) و(فوق الجاذبية)، وربما يكون مسلكًا سرديًا يتبعه الكاتب لرفع قيمة سردياته بإيجازها وتكثيفها وتهيئتها للقبول في زمن السرعة والعزوف عن القراءة الطويلة، وللإنصاف كان حضورها مهمًا في الشبورة وركيزة بنائية جوهرية ارتبطت بالمستهدفات الفهمية للعمل، وعُدَّ أحد أقوى العناصر التي منحت سردية الشبورة قيمتها، فالعلاقات الطارئة والجنس المدفوع المغلف يتصفان بهذه الصفة، بينما لم أجده كذلك في هذا العمل إذ وضح أنه مفتعل، تعمد الكاتب الإتيان به لأسباب لا علاقة لها بالحدث الموصوف، فالفرضيات والنظريات العلمية وتجاربهما، وكذلك العلاقات العاطفية المحفوفة بعقد نفسية؛ يتسمان بالبطء الشديد، ولكن هذا لا يمنع من الاعتراف بقيمة السرعة هنا إذا ما تعلق الحديث بالتشويق والإثارة، فالسرعة في سرد الحدث لا تترك للمتلقي وقتًا للضجر وبالتالي يبقى القارئ مثارًا لا يعتريه قلق الزمن، ونجح النص بالتأكيد في تحقيق هذه المعادلة، بإقلاله من الوصف والاعتماد على المشهدية الحدثية، أو سرد الصراعات الشذرية كعناوين بسيطة ودفع القارئ لتتبعها واستكمال نواقصها، وكذلك اختصار المدد الزمنية كما نوهنا سابقًا، والقفز بين الأحداث، أو حذف فترات السرد الهادئة، وتكثيف الأفعال والأقوال المتعدية، مما يشعر القارئ بأن الصراعات تتدفق بسرعة كبيرة، وأن هناك ضغطًا أو خطرًا أو تحوّلًا وشيكًا. وهذا بالطبع يخلق توترًا يدفعه لمتابعة القراءة لمعرفة ما سيحدث لاحقًا، وبالتالي الوصول إلى المعادلة التي ابتدأنا الحديث عنها بوضع تخميناتمعينة وانتظار حدوثها بشغف كبير.
النص استخدم أيضًا الوقائع التاريخية ودمجها في السرد الواقعي ووظفها للتشويق والإثارة، كقوله (ص21): (وهو يقرأ في مخطوطة كتبها أحد تلاميذ دافنشي ووجدها لدى «سياجرو بارديد» الفنان المغمور في روما الذي يرى نفسه الخليفة الحقيقي لدافنشي) انتهى كلامه.
ولا بد من القول هنا أنني أتحفظ على اسم الفنان «سياجرو بارديد»، حيث إنه غير معروف، وليس من تلامذة ليوناردو دافنشي، أو من فناني روما، ولم أجد له أثرًا على الإطلاق، ويظهر لي أن السارد أخطأ في إيراد هذا الاسم أو أنني عجزت عن الوصول إليه، إذ لا يمكن قبول شخصيات متخيَّلة طالما أننا نتحدث عن أعلام تاريخية معروفة، ونستدعي جزءًا من سيرتها الحقيقية، فكان لزامًا أن تكون كل الشخصيات حقيقية؛ طالما أننا نستخدم التاريخ الإنساني المدون.
غياب أرقام الفصول واستبدالها بعبارات استهلالية دلالية من نظم المؤلف أو من محفوظاته، استخدمت أيضًا في تشويق النص وإثارته وكانت فيما يبدو متعمدة من الكاتب، إذ إنه أتى بها وحدها للفصل بين أجزاء الحكاية، فالفصول غير مرقمة وبالتالي فرض على القارئ الاهتمام بها والوقوف قليلًا أمامها، ما يعني توظيفها في ذات السياق المشوق، إذ يتطلب الأمر القراءة والتفكير في مدلولاتها، ولاحقًا ربطها بمحتوى الفصل الذي يليها، أو ربطها بكل الفصول السابقة واللاحقة، في عملية ذهنية تخلق القلق القرائي الذي تترتب عليه كمية كبيرة من التشويق والإثارة. وبالطبع يمكن قبول هذه العبارات من هذا الباب، لكننا لا ننكر على من رفضها لأسباب كثيرة تتعلق ببنية النص وخلق بؤر مقارنات ليست في مصلحته، أو التغول على تأويلات القارئ للنص ومحاولة دفعه للذهاب باتجاهات فكرية وفلسفية يريدها الكاتب ولا ينجح في خلقها النص، وفي كل الأحوال سيكون موقفنا منها التوسط إذ نقبلها في إثارة النص، ونتحفظ عليها في بنيويته السردية بعيدًا عن هذه المهمة.
ولا بد من الإشارة هنا إلى أن نسبة بعض النقولات مشكوك في صحتها مثل عبارة محمد علي كلاي (ص168)، حيث لم تصح نسبتها إليه حسبما ظهر لي، رغم البحث المُضني.
وأخيرًا، لا بد من الإشارة إلى أن النص حفل بالتشويق المطلوب حتى في أسلوبيته الكتابية ولغته الأدبية الباذخة المحفزة على القراءة، إذ لعبت الرموز اللغوية دورًا مهمًا في إثراء النص وتشويقه، ولن أتحدث كثيرًا عن هذا الأمر، إذ يكفي الإشارة لبعض هذه العبارات الجميلة والعميقة التي لا تكاد تخلو منها صفحة من صفحات الكتاب، كقوله (ص12): «عله يرى ما يشي بقدوم غيمة ضلت طريقها فوق مزرعته، تعيد للبئر فحولته، وللتراب هدوءه وسكينته.»
وقوله أيضًا (ص15): «كان الليل أجرد عاريًا من كل نسيم، متلحفًا بحمى الأرض التي فقدت الأمل في أي رطوبة تدغدغ جلدها الممتلئ بالنمش.»
وخلاصة القول أننا نقف أمام عمل جميل، لا يمكن النظر إليه بعيدًا عن هذه القيمة التشويقية التي قد تصرف القارئ عن بعض الهنات المرتبطة بعمق النص ودلالته ومستهدفاته الفهمية المحتملة وغير القطعية إذ لم تكن هناك شواهد حقيقية تشير إليها، وهذا ما يجعلني أختلف مع النقاد الذين يضعون فرضيات استنباطية لا يمكن الجزم اليقيني بها اعتمادًا على علم الدلالات، ومن ثم يذهبون إلى محاسبة النص والقسوة عليه، فطالما هي تخمينات؛ إذًا لا يمكن وضعها كإطار محاكمة للنص الإبداعي أو لصاحبه.
وهذا يقينًا لا يختلف مع ما قاله رولان بارت من أن النصوص عبارة عن شبكة من الألغاز والرموز الدلالية التي تشير لمعانٍ محددة، فهناك فرق بين الشواهد اليقينية المُنتجة للمعنى، وتلك التخمينية التي عادة ما ترتبط بأمور خارج النص كالكاتب وبيئته وثقافته المتعددة، وحتى ننجو من هذا الخصام المتوقع مع المعاني علينا التغلب أولًا على «شهوة التأويل» التي قد تأخذنا بعيدًا عن القيمة الحقيقية للنصوص.