إعداد - عبدالله عبدالرحمن الخفاجي:
هل تأملتَ يوماً ورقةً بيضاء؟ إنها ليست مجرد مساحة صامتة تنتظر حبراً أو لوناً، بل هي كائنٌ حيّ يتنفس، يحمل في طياته سراً غامضاً يجمع بين الهشاشة المطلقة والقدرة العجيبة على البقاء.
للورق ملمسٌ يحاكي الجلد، وصوتٌ يهمس بالحكايا عند تقليبه، ورائحةٌ تثير الذاكرة وتأخذنا إلى عوالم بعيدة. هو الحاضن الأول لصرختنا الأولى، والمستودع الأمين لأسرارنا، والوثيقة التي تحفظ تاريخ الأمم. لكن، بعيداً عن كونه وعاءً للكتابة، للورق حيواتٌ أخرى أشد عمقاً؛ إنه المسرح الأول الذي تتجسد عليه أفكار الفنان، والمختبر الجريء الذي يختبر فيه نبض ريشته وقسوة خطوطه.
على مر العصور كان الورق هو الصديق الصدوق للفنان يتقبّل بوحه دون قيد أو شرط يمتص غضبه ويحتفي بفرحه، وفي عالمنا العربي يحمل الورق دلالاتٍ إضافية ترتبط بالذاكرة والهوية، وانطلاقاً من هذا التقدير العميق لهذه المادة واحتفاءً بمبدعينا العرب الذين لم يكتفوا بمحاكاة الفنون العالمية بل بصموا فيها بهوية أصيلة جعلتهم حاضرين بقوة في المشهد العالمي يأتي معرض «ورق... مختارات عربية» الذي أقامه جاليري مرسمي في مدينة الرياض ليكون تظاهرةً فنية استثنائية تعيد اكتشاف تلك العلاقة الأزلية بين الفنان وسطحه الأول.
وقد وضع الأستاذ عدنان الأحمد «مدير جاليري مرسمي» يده على جوهر هذه التجربة حين أكد أن المعرض يلقي الضوء على دور الورق كخامة ومادة أساسية في العمل الفني وليس مجرد وسيط ثانوي مشيراً إلى أن علاقة الفنان العربي بالورق ضاربة في القدم، واليوم يحاول المعرض تقديم قراءة معاصرة تجعل من الورق شريكاً فعلياً في صياغة المعنى، عبر نخبة من الفنانين الذين شكلوا معاً سيمفونية بصرية تتغنى بجماليات هذه المادة الساحرة.
تبدأ الرحلة في أروقة المعرض مع إبراهيم بريمو حيث تنبثق الأشكال من عتمة كثيفة كأطياف تتلمس طريقها نحو الضوء، في محاولة لاستحضار أثر الجسد العالق في الذاكرة. وبذات الجرأة في التعبير يقدّم إدوارد شهدا جسداً منفتحاً على اللون، تتفكك فيه الحدود بين البراءة والغرابة، وكأن اللوحة مساحة للبوح غير المشروط.
أما في أعمال أكسم السلوم فيتكرر الجسد بوصفه كتلة متحوّلة بين الامتلاء والتلاشي في حين يأخذنا أكرم زافي إلى عالمٍ أقرب إلى الحلم، حيث تتكوّن الوجوه من عناصر متنافرة تبحث عن شكلٍ لا يكتمل.
وفي تجربة جعفر الكاكي، تتراجع الصورة لصالح الإيقاع، ويصبح الخط والبقعة لغة بديلة عن التمثيل المباشر، في حين يذهب خيام زيدان إلى فضاءٍ أكثر كثافة وتأملًا، حيث تتراكم الطبقات اللونية لتشكّل عتمةً عميقة تنبثق منها ومضات ضوء خافتة. ويحضر راشد دياب بخطابه البصري الذي يزاوج بين الحرف واللون، ليصبح الخط عنده شكلاً يُرى ويُحسّ قبل أن يُقرأ. وفي المقابل، يقدّم سبهان آدم وجوهًا مشحونة بانفعالات حادة، حيث تتحول الملامح إلى ساحة صراع بين الداخل والخارج، كاشفةً عن الإنسان في أكثر حالاته هشاشة.
أما سمير الدهام فينقلنا إلى عالمٍ أكثر هدوءًا، حيث تتشكّل المدن من ذاكرةٍ مائية شفافة، والورق يتحول لديه إلى مساحة للحنين أكثر منها للتوثيق. وفي أعمال طارق البطاحي، نواجه جسداً آخر، أكثر التصاقاً بالأرض وارتباطاً بالحركة، حيث تنساب الخطوط بحرية تمنح العمل طاقة حيوية تشي بالفعل المستمر. ويأتي عبدالله مراد ليقدّم تجربة تعتمد على الوسائط المختلطة، حيث الورق جزء من البناء المادي للأثر، بينما يقدّم علي الصفّار رؤية جمالية تستلهم الزخرفة العربية بروح معاصرة، يتوازن فيها الإيقاع الهندسي مع سحر اللون.
تتكثف الوجوه في تجربة علي عمر كأداة للكشف عن جوهر الشخصية، بينما يذهب فادي حدادين إلى أقصى درجات التجريد، حيث تتحول اللوحة إلى حقل من العلامات اللونية الموسيقية. ويقدّم فاروق محمد مشاهد من الطبيعة الصامتة المحملة بحضور إنساني خفي، وفي أعمال فؤاد أبو سعدة، نرى وجوهاً تتكوّن من طبقات لونية كثيفة تكشف عن حالات نفسية معقّدة، وتكتمل هذه الرؤى بتجربة مالك سعدالله التي تقدم أشكالاً حرة تجمع بين التشخيص والتجريد، حيث تتحرك الشخصيات داخل فضاء مفتوح يحكمه إيقاع الفنان الداخلي وحساسيته المفرطة.
وتتسع خريطة الإبداع العربي لتشمل محمد العجلان الذي يطوع السطح الورقي ليحتوي نبض الحرف والرمز بخصوصية فلسفية عالية، تجعل من الورقة وطناً للأبجدية. ويطالعنا نبيه قطايه بتجربة تمنح الورقة بعداً تعبيرياً يفيض بالحساسية والتمكن التقني، بينما تطل أعمال ندى العلي كبوحٍ وجداني يلامس الروح، حيث تذوب الخطوط في فضاء لوني رقيق. ويقدم وليد عزت اشتغالاً بصرياً يوازن بين الكتلة والفراغ برصانة، محولاً الورق إلى بناء معماري يسكنه الضوء. ونقف طويلاً أمام تجربة عادل السيوي الذي يستنطق الوجوه لتخبرنا بما لا يُقال، مبرزاً قدرة الورق على تحمل ثقل النظرة الإنسانية.
ونقف بذهول أمام براعة أسعد عرابي، الذي طوع الورق ليحتضن إيقاعاً سماعياً فريداً؛ ففي لوحته التي رسم فيها «أم كلثوم وفرقتها»، نجد أنفسنا أمام معجزة الخط الواحد الذي لا ينقطع، وكأن ريشته هي عصا المايسترو التي تنسج الوجوه والآلات الموسيقية في وحدة عضوية مدهشة. الورق هنا لم يعد حاملاً للرسم فحسب، بل صار صدىً لصوت كوكب الشرق، حيث ينساب الخط برشاقة ليرسم ملامح الوجد الطربي، محولاً السكون البصري إلى ضجيج جمالي آسر يبرز تمكن عرابي من اقتناص اللحظة واختزالها في امتداد خطي عبقري.
أما إبراهيم الحسون، فيحول الورق إلى مساحة للحكي والذاكرة الشعبية، حيث تنساب الحكايا بأسلوب معاصر يربط الماضي بالحاضر. ويحضر القامة ضياء عزاوي ليؤكد عالمية الفنان العربي وقدرته على جعل الورق وعاءً للأساطير والرموز الكبرى، بتمكن لوني وتكويني يبهج العين. وتمنحنا ليلى نصير شخوصاً محملة بالثقل الوجودي والعمق الإنساني، حيث تظهر الورقة كميدان للصراع الروحي. ويبرز محمد العامري بقدرته الفذة على جعل اللون حالة تأملية عميقة، وكأن اللوحة تتنفس من خلال مسام الورق.
وتشارك ابتسام الصفار بوجوهها التي تبدو وكأنها منحوتة من القلق والأمل في آن واحد، حيث يبرع الورق في احتضان ملامحها القلقة.
ويقدم محمود ديوب قراءة بصرية تتسم بالكثافة والشاعرية، مبرزاً حالات حركية للإنسان لترتسم على جماليات السطح الهش. وبينما يطالعنا قنابو محمد بمشاهده الرمزية التي تتجاوز المألوف، يختتم المشهد جعفر طاعون الذي يجعل من العلامة الفنية صرخة تعبيرية صريحة، تثبت أن الورقة، رغم هدوئها، يمكن أن تكون صاخبة جداً.
هكذا، يتشكّل معرض «ورق.. مختارات عربية» كفضاء جامع لاختلافات غنية، حيث لا توحّد الورقة بين الفنانين بقدر ما تكشف تباينهم، وتُبرز خصوصية كل تجربة. إنها دعوة للتأمل في البسيط، في الهش، في ما يبدو عابراً لكنه يحمل في طيّاته طبقات من المعنى. الورقة هنا ليست مجرد بداية، بل هي أيضاً ذاكرة، وأثر، ونقطة التقاء بين الفنان والمتلقي، حيث يكتمل العمل في عين من يراه، وفي الشعور الذي يتركه خلفه.
بينما نغادر هذا الفضاء المشبع بالحكايا، يبقى سؤالٌ واحد يتردد صداه في أذهاننا: إذا كانت الورقة قادرة على حمل كل هذا الإرث، كل هذا القلق، وكل هذا الجمال... فماذا عنا نحن؟ هل أوراق حياتنا لا تزال بيضاء تنتظر من يجرؤ على خطّ أول سطر، أم أنها امتلأت بالخربشات ونحن ننتظر لحظة البوح التي قد لا تأتي؟
** **
منصة إكس: AL_KHAFAJII