فقْد الأب حُزْن لا تمحوه الأيام، ولا يُنسى مع تعاقب الأعوام.
كيف أنسى من عاش في وجداني، ومن كان يشقى لأجل ارتياحي.
غاب رسمه واختفى صوته، وحضرت وصاياه ولم تنقطع كلماته.
وسلوانا قول الحق سبحانه: {وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ}، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، والفراق حتم لازم، (وأحبب من شئت فإنك مفارقه) قالها أمين السماء عليه السلام لأمين الأرض صلى الله عليه وسلم.
رحل أبي... ولم ترحل مآثره وآثاره.
رحل العبد التقي النقي -ولا نزكيه على الله-.
غادر الرجل البار بوالديه... صاحب الحمية والفزعة لأقاربه وأسرته.
رحل الأب والصديق، والأنيس والرفيق.
مضى رجل الخير... صاحب الأيادي البيضاء، المحب للبذل والعطاء.
رحل من كان يؤدي الحقوق قبل أوانها، ويحث أبناءه وجلساءه عليها.
رحل من كان همه حسن الخاتمة، لم يأبه بمدح ولا شكر ولا ثناء، فعوضه الله بعد هذا بدعاء الناس له.
رحل رجل عشت معه زهرات عمري، شاهدت مناقبه، عرفت مخبره وعاينت أخباره، اشتقت له ولرؤيته، وأنا أرى نعشه محمولا على الأكتاف.
نعم رحل أبي... ولكن بعد ما أسعدني برؤية أعداد المصلين، وتوافد المشيعين والمعزين، ولهج الدعوات له من المحبين.
انتابني شعور في لحظة حزن مخلوطة بفرح دعاء الناس له وبكائهم عليه، وذكر مناقبه بأنني أتمنى رؤيته كأنني لم أره من قبل، سعدتُ وفرحت بهذا، فعن أي رجل يتحدثون ولأجله يتوافدون؟
لم يكن مجرد (أب) فقد كان أستاذاً معلماً، منذ أن شارف عمري خمس سنوات وقبل أن ألتحق بالتعليم الدراسي.
كان حنوناً عطوفاً بي وبوالدتي وأفراد العائلة، رأينا استخدام الحزم مع اللين، والتوجيه بقالب الحب.
عالج سلوكنا، وصوب أخطاءنا ونحن أطفال، وغايته استقامة الدين مع الدنيا بما يرضي ربنا أولاً ووالدينا ثانياً، ولا أخفيكم أنني وجدت جزءاً من أسلوبه التربوي في كتب التعليم والفلسفة وأنا أدرس بجامعة الملك سعود في المرحلة الجامعية، فقد عرفت المعنى العملي لاستخدام وسائل التعزيز الإيجابية والسلبية منه قبل أن أقرأها في كتب التعليم وغير ذلك من فلسفة وجوانب الحياة والمبادئ العامة والرئيسة في التعامل والمعاملات.
اهتم أبي بي وبجميع إخوتي قبل أن ندخل المدرسة، عمل على غرس القيم الدينية والتجارب الدنيوية لدينا، حرص على تكوين شخصية سوية لنا وقام بتحديد الأهداف والأولويات وعلمنا إياها، في وقت كان همُّ كثير من أبناء جيلنا، اللعب واللهو وممارسة الهوايات المتنوعة.
كنت كغيري من أقراني -من أصحاب وأقارب وجيران- استثقل ذلك بلا استيعاب، حتى وصلت لمرحلة الثانوية، بدأت بعدها بتغيير أفكاري وأولوياتي، لأنني استشعرت بالمسؤولية، وأفكر في كيفية تحقيق أهداف والدي قبل ذاتي.
كانت تلك المرحلة بين تجاوزي السنة الخامسة من عمري حتى الثانوية، وكأنها عبارة عن دخول دورات تدريبية مكثفة، صاحبت فيها والدي بمجالسه ومصاحبة رواد ذاك الجيل، من قامات الرجال، ورواد الأعمال، من شركاء وأصحاب الوالد.
كان طموحي خلالها أن أسعى جاهداً بمحاكاة جزء من مناقبهم وصفاتهم، رغبة أن يرزقني الله من والدي ومن هؤلاء الرجال الأفاضل من كل خلق نبيل، وأدب جميل. ولولا فضل الله ثم فضل والدي لم يحصل لي الشرف بالجلوس معهم، والنهل من معارفهم وخبراتهم.
في ذلك العمر كنت مرافقاً خادماً، وسكرتيراً خاصاً، ومحاسباً مؤتمناً له في عمله، فتحملت مسؤولية عظيمة كبيرة بعد أن وضع كامل ثقته فيني لشؤونه الخاصة والعامة بإدارة العمل والمصالح والإشراف على الأمور الخيرية، وتفرغ الأب الزاهد لعبادته، وزهد بكل شيء، وآثر من فضل الله آخرته على الدنيا.
نعم.. لقد كان حملاً ثقيلاً علي، حاولت جاهداً تأدية ما أستطيع عليه، حتى عاضدني من فضل الله وكرمه أخوتي الكرام بعد ذلك، تفوقوا علي وأنا فرح ومسرور بالمعرفة والفهم وبالوصل والبر، وبطموح لتنظيم العمل الخيري لوالدنا لضمان استمراره وديمومته بمشيئة الله.
لقد غرس والدنا فينا حبَّ العمل والإنتاج، وحب الأعمال الخيرية والبر، وتلك نعمة وفضل من الله وتوفيقه.
وكخاتمة لخواطري لا أنسى غرس والدي فينا استشعار نعمة العيش في هذا البلد الكريم، بلادنا الغالية ـ أدام الله إيمانها وأمانها ـ وترديده بنعمة ولاتنا الأكارم، والوصية بحبهم وحفظ حقهم وكثرة الدعاء لهم، نسأل الله أن يحفظهم، وينفع بهم البلاد والعباد، وأن يتمَّ علينا نعمه، ويزيدنا لها شكراً، وأن ينصرنا على من عادانا واعتدى علينا، وأن يكفينا شره بما شاء سبحانه.
** **
- عبدالله بن سعد بن محمد العجلان