سلمان بن محمد العُمري
في زمن تسارعت فيه التقنية، وتهافت الناس على التوثيق، باتت الكاميرات تسبق القلوب، وأصبحت الخصوصية مهددة بعدسات لا تعرف حرمة ولا ذوقاً، فهناك مشاهد لا تليق أن تُوثق، ولا يجوز أن تُنشر، ليس لأنها صادمة، بل لأنها تُخدش الكرامة وتفضح الستر ومن أمثلة ذلك: المريض على سريره:
إن رؤية إنسان يتألم على فراش المرض مشهد يُحزن القلب، فكيف بمن يمدّ عدسته نحوه دون خجل أو إحساس المريض في تلك اللحظة لا يبحث عن ضوء كاميرا، بل عن رحمة، عن دعوة صادقة، عن سكينة، وتصويره لا يُعدّ تضامناً، بل اقتحاماً، ووجودك إلى جواره في صمت ودعاء يكفي، ولا تكن سبباً في إيذائه مرتين:بالألم، وبفضح لحظته الضعيفة.
الفقير في حاجته:
اليد المعطاءة لا تحتاج أن تُشهَر، ولا أن تُزاحمها عدسة تُرينا كيف أخرجتَ مالك أو وزعتَ طعامك. منتهى القسوة أن تُوثق لحظة ضعف إنسان، وتقف على أنقاض حاجته لتُثبت أنك كريم، الكرم الحقيقي خفي، لا يحتاج ضجيجاً ولاجمهوراً، «من ستر مسلماً ستره الله»، فاجعل عملك بينك وبين الله، ولا تفضح من قصدك مُحتاجاً.
الضيف على مائدتك:
استقبال الضيف شرف، لامناسبة للاستعراض، وتصوير موائد الطعام والضيوف وإن كان في مجلسك تجاوز للخصوصية، ويجعل كرم الضيافة عرضة للمراءاة، والكرم لا يُقاس بما تقدمه، بل بكيفية احترامك لمكانة من دخل بيتك، وضيفك ليس مادة لإقناع الآخرين بكرمك، بل أمانة يجب أن تُصان.
مشاهد الحوادث والمآسي:
وما هو أسوأ من ذلك، تصوير ضحايا الحوادث أو الفواجع، ونشر صورهم وهم بين الحياة والموت، أو في لحظات فقدان عزيز، وهذه قسوة لا تليق بإنسان، ومخالفة صريحة لحقوق المكلومين، حين تمسك بكاميرتك بدلًا من يد العون، فأنت تفقد جزءاً من إنسانيتك.
والمروءة لا تُشترى، بل تُمارس، وهي أن تضع نفسك مكان الآخر، أن تحمي مشاعره وخصوصيته، أن تعطي وتواسي وتساند دون ضوضاء، وديننا علّمنا أن الستر فضيلة، وأن نُصرة الضعيف لا تكون بنشر صوره، بل بالوقوف إلى جواره دون مقابل.
وفي الختام:
لتكن نيتك لله، وأعمالك ستراً لا فضحاً، وبراً لا استعراضاً، لا تفسد معروفك بالتصوير، ولا تجعل إحسانك وسيلة شهرة، في زمن التوثيق، كن من الذين يختارون الصمت... لأنه أحياناً أبلغ من ألف لقطة.