وائل الغول
في كثير من الحروب يحدد ميزان القوة العسكرية نهايتها… لكن في الحرب الحالية ضد إيران قد يكون العامل الحاسم سيكولوجيا رجل واحد في البيت الأبيض.
فقرار الحرب والسلم لا يتشكل فقط داخل غرف العمليات العسكرية أو مراكز الدراسات الإستراتيجية، بل يتأثر أيضاً بطبيعة شخصية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الرجل الذي اعتاد كسر القواعد التقليدية للسياسة الدولية.
وخلال سنوات قليلة فقط، اتخذ ترامب قرارات مفصلية، أبرزها الانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني المعروف باسم خطة العمل الشاملة المشتركة عام 2018، ثم نقل السفارة الأمريكية إلى القدس في خطوة هزت التوازنات السياسية في المنطقة.
هذه القرارات كشفت نمطاً واضحاً في شخصية ترامب:
رئيس يميل إلى القرارات المفاجئة التي تعيد تشكيل المشهد السياسي دفعة واحدة.
ولهذا فإن فهم مسار الحرب ضد إيران قد لا يكون ممكناً من خلال تحليل الجيوش والتحالفات فقط… بل من خلال فهم سيكولوجيا الرجل الذي يتخذ القرار النهائي.
قبل دخوله عالم السياسة، بنى ترامب سمعته كرجل صفقات، وقدم فلسفته في كتابه الشهير فن إبرام الصفقات.
هذه الخلفية جعلته ينظر إلى السياسة الدولية بمنطق مختلف:
الصراع أداة ضغط.
القوة العسكرية وسيلة تفاوض.
الهدف النهائي هو تحقيق صفقة رابحة.
ومن هذا المنظور، قد لا يرى ترامب الحرب ضد إيران كحرب تقليدية طويلة، بل كمرحلة من مراحل الضغط لإجبار طهران على تقديم تنازلات كبيرة.
فالحرب في عقلية رجل الأعمال ليست هدفاً بحد ذاته، بل وسيلة للوصول إلى اتفاق أفضل أو تغيير في موازين القوى.
ولهذا السبب يكرر ترامب أحياناً أن الأهداف العسكرية “تحققت تقريباً” أو أن الحرب قد تنتهي “قريباً جداً”، حتى عندما تشير تقديرات عسكرية إلى أن الصراع قد يستمر لفترة أطول.
وإلى جانب عقلية رجل الأعمال، هناك بعد آخر في المشهد السياسي المحيط بترامب يتمثل في نفوذ التيار المحيط بترامب داخل القاعدة المحافظة في الولايات المتحدة.
هذا التيار، الذي يقوده قساوسة إنجيليون بارزون مثل جون هاجي ومايك هاكابي، يرى أن الصراعات الكبرى في الشرق الأوسط قد تكون مرتبطة بنبوءات دينية حول نهاية الزمان.
وبالنسبة لقطاع من هؤلاء، فإن المواجهة مع إيران تمثل جزءاً من صراع أوسع يتعلق بأمن إسرائيل ومستقبل المنطقة.
هؤلاء يرون أن الحرب -بحسب زعمهم- تحقيق لنبوءات الكتاب المقدس (حزقيال، أرمجدون، عودة المسيح).
ترامب نفسه يشارك نبوءات قديمة عن نفسه، ويسمح لهذا التيار بتأطير الحرب كـ«حرب دينية مقدسة».
في مقابلة دينية على برنامج The 700 Club بتاريخ 12 مارس، صرح ترامب:
وجاء هذا التصريح في سياق ديني، مما يعكس دمج الإيمان بالنبوءات في قراراته العسكرية ويضيف بعدًا آخر لشخصيته غير المتوقعة.
هذا العامل يضيف بعداً آخر لقراراته، حيث قد تُقدَّم الحرب أحياناً ليس فقط كصراع جيوسياسي… بل أيضاً كجزء من مهمة تاريخية أو دينية.
ولا يمكن فهم قرارات الحرب في واشنطن دون النظر إلى الصراعات داخل النظام السياسي الأمريكي نفسه.
مؤسسات الأمن القومي الأمريكية -التي يشار إليها أحياناً في الخطاب السياسي بمصطلح «الدولة العميقة»- قد تدفع باتجاه استمرار الضغط على إيران لأسباب إستراتيجية تتعلق بأمن إسرائيل ومنع طهران من امتلاك قدرات نووية.
وقرارات الحرب في الولايات المتحدة غالباً ما تكون نتيجة توازن معقد بين حسابات البيت الأبيض وضغوط المؤسسات الأمنية والعسكرية.
لكن شخصية ترامب السياسية المعروفة بعدم الانضباط الكامل للمؤسسات التقليدية تجعل هذا العامل معقداً؛ فهو قد يستجيب لهذه الضغوط… أو قد ينقلب عليها فجأة ليظهر بمظهر الرئيس الذي يتخذ قراراته بشكل مستقل.
وتاريخ ترامب السياسي يقدم أمثلة واضحة عن هذه الشخصية غير المتوقعة.
ففي مايو 2018 أعلن بشكل مفاجئ انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي الإيراني «خطة العمل الشاملة المشتركة» رغم معارضة معظم الحلفاء الأوروبيين.
وبعد ذلك بعامين فقط، أمر بتصفية قائد فيلق القدس الإيراني قاسم سليماني في ضربة عسكرية قرب مطار بغداد، في واحدة من أخطر لحظات التصعيد بين واشنطن وطهران.
لكن في المقابل، أظهر ترامب قدرة على الانتقال المفاجئ من التصعيد إلى التفاوض، كما حدث عندما فتح باب الحوار مع زعيم كوريا الشمالية كيم جونغ أون بعد أشهر من التهديدات المتبادلة.
هذا النمط المتقلب يكشف أن قرارات ترامب لا تسير دائماً وفق مسار تصاعدي تقليدي للحروب، بل قد تنتقل فجأة من الضغط العسكري إلى إعلان النصر أو التفاوض.
وهناك أيضاً بعد اقتصادي وسياسي مهم في هذه الحرب.
إيران تمتلك واحداً من أكبر احتياطيات الطاقة في العالم، إذ يقدَّر احتياطيها النفطي بنحو 157 مليار برميل، أي ما يقارب 10 في المائة من إجمالي الاحتياطي النفطي العالمي.
إلى جانب ذلك، تقع إيران على ضفة أحد أهم الممرات الإستراتيجية للطاقة في العالم، وهو مضيق هرمز، الذي يمر عبره ما يقارب 20 في المائة من تجارة النفط العالمية يومياً، أي نحو 20 مليون برميل نفط يومياً.
هذا الموقع الجغرافي يجعل أي حرب في المنطقة قادرة على التأثير المباشر في أسعار الطاقة والاقتصاد العالمي.
هجمات متفرقة على ناقلات النفط أدت إلى ارتفاع الأسعار عالميًا، وهو ما جعل ترامب يستخدم هذا التصاعد في الأسعار كذريعة لتأكيد أنه سيحقق انتصارًا سريعًا.
هذا يعكس الربط المباشر بين الأداء العسكري والسياسة الاقتصادية الداخلية، حيث يسعى لتثبيت صورته كرئيس يسيطر على الأسواق ويحقق نتائج ملموسة.
لكن الأهم من ذلك هو البعد السياسي الداخلي
فأي حرب يخوضها رئيس أمريكي تحتاج في النهاية إلى انتصار يمكن تسويقه للناخبين.
وهناك رغبته في السيطرة على كل تفاصيل الحرب.
تأثره بسرعة بالتغريدات وردود الفعل الإعلامية.
ميله لإعادة صياغة الواقع لصالح صورته كـ«المنتصر النهائي».
ومع تصاعد الخسائر الأمريكية على الأرض منذ بداية الحرب، بدأت تظهر إشارات في تغريدات ترامب الحديثة تشير إلى تغير مزاجه.
وانطلاقاً من سيكولوجيا ترامب، قد لا تنتهي الحرب بتحقيق هزيمة عسكرية كاملة لإيران، ولكن بإعلانه صفقة سياسية أو انتصار إستراتيجي.. وقد يكون ذلك عبر:
فرض اتفاق جديد على طهران.
حدوث تغيير سياسي داخل إيران.
في هذه اللحظة يمكن أن يعلن ترامب أن الولايات المتحدة حققت أهدافها، حتى لو استمرت التوترات الإقليمية بعد ذلك.
وفي كثير من الحروب يحدد ميزان القوة العسكرية نهايتها.. لكن في هذه الحرب قد يحددها مزاج رجل واحد في البيت الأبيض.
دونالد ترامب ليس مجرد رئيس أمريكي تقليدي، بل مزيج من:
رجل أعمال يرى العالم كصفقات.
زعيم سياسي مدعوم بتيار ديني قوي.
شخصية تبحث دائماً عن صورة المنتصر.
ولهذا قد لا يكون السؤال الحقيقي: متى تنتهي الحرب ضد إيران؟
بل ربما يكون السؤال الأهم: متى يقرر ترامب أن الوقت قد حان لإعلان النصر؟