صالح الشادي
في كلمتين قرآنيتين تتجلَّى أسرار الوجود، وفي فرق لفظي دقيق تتردد أنفاس التاريخ: {هذا البلد} و{هذا بلداً}. الأولى في قوله تعالى: {لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ} (البلد: 1)، جاءت معرفة بـ«أل» فدلت على التعيين والعهد، إنها إشارة إلى هذا البلد الحرام بعينه، الذي حرَّمه الله وجعله أميناً. أما الثانية ففي دعوة الخليل إبراهيم عليه السلام: {رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا} (إبراهيم: 35)، جاءت نكرة في سياق الإنشاء، فلم تطلب تعييناً، بل طلبت تحويل البقعة إلى دولة إلى كيان جامع للأمن والبركة، نكرة تفيد التعظيم والتمكين، كأن إبراهيم قال: اجعل هذه البقعة بلداً عظيماً شاملاً للأمن. وبين هاتين القراءتين ينسج الله قصة أرض اختارها من بين الأرضين، وجعلها مهبط الوحي ومهد الرسالات ومستقر البيوت المحرَّمة.
تأمل معي هذا المشهد الكوني: وسط هذه الأرض العظيمة، المترامية الأطراف، التي عمَّرها الناس وبنوا فيها الحضارات، اختار الله بقعة لا تُقاس بالمساحة، بل تُقاس بالبركة. اختارها لتكون بيته المحرَّم، ومهبط وحيه، ومستقر خاتم أنبيائه. إنها ليست مجرد أرض، إنها إرادة إلهية تجسدت في جغرافية. دعوة أبي الأنبياء إبراهيم عليه السلام، التي دوَّنها القرآن في آيات خالدة، لم تكن مجرد ابتهال عابر، بل كانت عقداً بين السماء والأرض. قال وهو يرفع القواعد من البيت: {رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ}، ثم تابع دعاءه الذي يحمل رؤية الغيب: {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ}. لم يكن يعلم أن ذلك الرسول سيكون من نسله، وأنه سيأتي بعد آلاف السنين ليتمم تلك الدعوة في نفس البقعة.
لكن قبل أن يكون هذا البلد حرماً أميناً، كانت له قصة أخرى يرويها علم الجيومورفولوجيا. تخيل أن هذه الأرض التي تراها اليوم صحراء تمتد، كانت في عصور سحيقة مدفناً للنباتات والحيوان، محتضنة حياة لم يشهدها البشر. كانت أنهاراً تجري، وجنات ترفل بالخضرة، وبحيرات تعكس ضوء الشمس. ثم جاءت إرادة الله في تغيّرات الأرض، فتصحَّرت، وانكمشت الحياة، وخرج سكانها. أولئك السكان الذين غادروا هذه البقعة، لم يذهبوا عبثاً، بل حملوا معهم بذور الحضارة إلى ضفاف الأنهار والشطآن. بنوا حضارات شاهدة: في الرافدين، وفي وادي النيل، وعلى سواحل الخليج. صارت هذه البقعة وكأنها قبلة الحضارات الإنسانية، مصدراً خفياً للعمران، ونواة للتجمعات البشرية التي انتشرت في المعمورة.
وهنا تتجلَّى بشرى النبوة التي تتردد في أرجاء الزمن، فقد ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لمعاذ بن جبل رضي الله عنه: «يَا مُعَاذُ،... وَسَتَعُودُ أَرْضُ الْعَرَبِ خَضْرَاءَ تُنْهَرُ بِالْأَنْهَارِ». هذه بشارة عظيمة، تخبر أن الجزيرة العربية التي يراها الناس قاحلة يابسة ستعود إلى ما كانت عليه في سالف العصور: خضراء تجري فيها الأنهار. إنها ليست مجرد نبوءة بيئية، بل هي إشارة إلى عودة الحياة المباركة إلى هذا البقعة، وتحقيق لما كان عليه الأمر قبل أن تتصحَّر، وكأن الله أراد لهذه الأرض أن تمر بمراحل الزمن لتكون شاهدة على قدرته، ثم تعود إلى ربيعها لتكون منطلقاً للنهضة الكبرى في آخر الزمان.
جاء الغزاة، وحط الرحالة والمستشرقون، يحملون معهم أحلاماً بالذهب والثروات الخيالية. ظنوا أن في هذه الأرض كنوزاً كالأهرامات أو كأرض السند. بحثوا في رمالها، ونقَّبوا في صخورها، لكنهم لم يجدوا مما كانوا يبحثون شيئاً. فغادروها خائبين، يحملون معهم صوراً لصحراء قاحلة لا تستحق الاهتمام. لكنهم لم يفهموا أن ثروة هذه الأرض ليست فيما تحت الرمال فقط، بل في قلب الرمال ذاتها. لم يدركوا أن الله قد ادَّخر لهذه البقعة كنوزاً أخرى، وأن خزائنها ليست ذهباً يلمع، بل إيماناً يصمد، وقيادة راشدة، وشعباً أبياً. وغاب عنهم أن بشارة النبي صلى الله عليه وسلم لعودة الخضرة والأنهار لم تكن تعني فقط الغطاء النباتي، بل تعني عودة الحياة المباركة بكل أبعادها، ديناً ودنيا.
ثم جاء ذلك الرجل، الذي حمل في قلبه إيماناً بوعد الله، وفي عزمه إرادة لم تعرف المستحيل. الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود -طيَّب الله ثراه- الذي انطلق من هذه الأرض نفسها، ليبدأ رحلة التوحيد. لم يكن يبحث عن كنوز الأرض، بل كان يسعى لتحقيق الوعد الذي دعا به إبراهيم قبل آلاف السنين، وبشَّر به محمد صلى الله عليه وسلم. استقلت الدولة، وتوحَّد البدو والحضر تحت راية واحدة، وجمع الله شتات هذه البلاد في كيان واحد اسمه المملكة العربية السعودية. لم تكن هذه مرحلة سياسية عابرة، بل كانت استجابة إلهية لدعوة نبي، وتتويجاً لمسيرة امتدت عبر العصور.
ثم خرج النفط، ذلك السائل الأسود الذي لم يكن الغزاة والمستشرقون يبحثون عنه، لأنه لم يكن معروفاً في تصوراتهم. لكنه كان مدَّخراً في خزائن الله لهذه الأرض، ليكون آية على صدق الدعوة الإبراهيمية، ولعلاقته بتلك البشارة النبوية بعودة الخضرة والأنهار، فالنفط وإن كان غير أنهار الماء إلا أنه كان مفتاحاً لعمران الأرض وتحولها إلى جنات من المشاريع والنماء. ظهر الخير، وامتد العمران، وتحولت الصحراء إلى مدن شاهقة، ومشاريع عملاقة، ونهضة شاملة. لكن الأهم من ذلك، أن هذه النهضة لم تنسَ هويتها، بل ظلت محافظة على القيم التي قامت عليها.
إن ما نعيشه اليوم ليس مجرد ازدهار عابر، بل هو استمرار لدعوة إبراهيم الذي طلب من ربه أن يجعل هذه البقعة «بلداً» آمناً، فاستجاب الله وجعلها «البلد» الحرام الأمين. الفرق بين اللفظين في الآيتين هو الفرق بين الدعاء والاستجابة، بين الطلب النكرة الذي يريد التعظيم، والتحقّق المعرفة الذي يثبت الخصوصية. الأولى دعاء إبراهيم أن تصير بقعة الوادي دولة وبلداً آمناً على الإطلاق، والثانية قسم من الله بهذا البلد بعد أن صار أمناً حراماً. فما طلبه الخليل تحقق في الواقع، وأصبحت هذه البقعة بلداً من بلدان الدنيا، بل هي خير بلد على وجه الأرض.
والآن، يتحقَّق الوعد النبوي الآخر: «ستعود أرض العرب خضراء تنهر بالأنهار». إنها ليست رؤية بعيدة، بل هي مسيرة نراها بأعيننا في مشاريع الري، واستصلاح الأراضي، واكتشاف المياه، وازدهار الزراعة، بل في التحولات الكبرى التي تشهدها المملكة لتكون نموذجاً مستداماً للحياة. أمن واستقرار، وقيادة راشدة تسير على نهج واضح، وشعب عظيم يعي دوره ومسؤوليته. كل هذا ليس مصادفة، بل هو وعد الله الذي قال في كتابه: {وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا}. إنه الأمن الذي لا يوفره الذهب، بل يوفره الإيمان والإرادة والقيادة الصادقة.
تأمل هذه القصة العجيبة: أرض اختارها الله، ودعوة نبي استمرت آلاف السنين، وبشارة نبي خاتم بعودتها خضراء، وحضارات انبثقت منها ثم عادت إليها، وقيادة وحَّدتها، وثروة أظهرت خيرها، وشعب عظيم صنع النهضة. إنها ليست حكاية وطن فقط، بل هي آية من آيات الله في الأرض. فاطمئنوا على هذا البلد، فهو محفوظ بدعوة الخليل، ومحميٌّ بحراسة الملك العظيم، ومستمر في عطائه بإذن ربه. وما زالت دعوة إبراهيم تتحقَّق، وما زالت بشارة محمد صلى الله عليه وسلم تتجلَّى، وسيبقى هذا البلد آمناً مطمئناً، شامخاً كطود، نبيلاً كرسالة، مباركاً كبقعة اصطفاها الله على العالمين.
هذا بلداً آمناً بدعوة الخليل، وهذا البلد الحرام بقسم الجليل، وهذه السعودية العظيمة.