د. رنا بنت عبدالله الغامدي
وصلني تفاعل لافت وجميل على مقالي السابق (في سمائها صقور.. وفي ثراها دروع) في أوساط المعارف وبيئة العمل، وكذلك عبر فضاءات التواصل المختلفة، وهو تفاعل أعتز به لأنه يعكس حسًا مجتمعيًا متناميًا بأهمية ما يُطرح. لكن ما استوقفني حقًا هو التساؤلات المباشرة والصريحة حول مفهوم الوعي الفكري، وكيف يمكن تعزيزه في الواقع المتسارع الذي نعيشه مع احداث الوقت الراهن إقليمياً. وكانت هذه الأسئلة جلها من فئة الطلبة، بحكم احتكاكي المباشر بهم، وذلك للحاجة الحقيقية لفهمٍ كيف نحصن الوعي، في زمن لم تعد فيه المعلومات شحيحة، بل وافرة لحد التخمة مما يستوجب الانتقائية الحصيفة.
بداية «الوعي” مشتق من الفعل وعى، وأصل الكلمة من الوعاء، أي ما يُحفظ فيه ويُصان، وفي العربية، يُقال: “وعى الحديث” أي حفظه وفهمه، وليس مجرد سمعه. لذلك فالعقل ليس مجرد مستقبل للمعلومة، بل وعاءٌ مدرك لما يتلقاه، يميزه، ويصون ما يستحق أن يُحفظ، ويرفض ما يجب أن يُستبعد. فالوعي ليس مجرد معرفة، بل هو قدرة مركبة على الفهم العميق، والتحليل، والتمييز، واتخاذ موقف مسؤول مبني على إدراك صحيح للواقع.
فالتهديدات اليوم لا تقف عند الحدود الجغرافية، بل تمتد إلى العقول. والانحراف يبدأ من الأفكار قبل السلوك، ولهذا، فإن أقوى خطوط الدفاع لم تعد فقط أمنية، بل فكرية بالدرجة الأولى. حيث انه لابد من اتخاذ موقف واعٍ في عالم يعج بالمحتوى المتناقض. لكي نعرف ماذا نقبل، وماذا نرفض، وكيف نزن ما يُعرض علينا، لا أن نكون مجرد متلقين سلبيين.
ولمن يسأل من المسؤول عن سلامة الوعي الفكري؟ الإجابة هي بأن الجميع مسؤول من أصغر مواطن لأكبر مسؤول ومن المطمئن أن قضية الوعي الفكري في السعودية لم تعد مسؤولية قطاع بعينه، بل هو ملف سيادي وهدف مشترك تتكامل عنده جهود مختلف مؤسسات الدولة، كلٌ من موقعه واختصاصه.
وتعد الأسرة هي حجر الأساس، حيث تغرس قيم الوعي وتبنى الحصانة الفكرية منذ الصغر، وفي ذات الوقت تعمل المؤسسات التعليمية كافة على بناء الأساس المعرفي وتعزيز الولاء للدين ثم لولاة الأمر، والانتماء للوطن، ونشر قيم الوسطية، والوقاية من الفكر الضال، مع دور محوري للجامعات السعودية في هذا السياق، يتجلى من خلال المؤتمرات والملتقيات العلمية التي تناقش قضايا القيم والوعي الفكري، وتجمع الأكاديميين والخبراء لصياغة حلول عملية تُسهم في تحصين المجتمع، وتعزيز الهوية، وربط المعرفة بالمسؤولية.
في حين تسهم الجهات الإعلامية في تشكيل الإدراك العام وتوجيهه. ولا تكتفي بنقل الخبر، بل تقوم بتفسيره ووضعه في سياقه الصحيح، كي لا يتم تضليل المتلقي أو استغلاله. وتدعم الجهات الأمنية هذا المسار عبر تعزيز الحصانة الفكرية والوقاية من الانحراف ورصد التهديدات مبكرًا، والتعامل معها وفق أطر نظامية وتقنية متقدمة، بما يحد من انتشارها ويمنع تأثيرها. كما تسهم في رفع الوعي المجتمعي عبر حملات توعوية تُبرز أخطار الانسياق خلف المعلومات المضللة، وتشجع على الإبلاغ عن أي محتوى أو سلوك يثير الفتن أو يهدد تماسك المجتمع.
ولكي نكون واعين فكريًا، لا بد أن نُدرك أن الكلمة مسؤولية. فلا نكون جسرًا لعبور التضليل من دون قصد.
وأن نُحسن إدارة حضورنا في وسائل التواصل، فنُتابع الأخبار من مصادرها الرسمية، كالقنوات الوطنية ووكالات الأنباء المعتمدة، لا على الحسابات المجهولة أو المقاطع المبتورة.
وأن نتحقق قبل أن نُعيد النشر، ونسأل: هل هذه المعلومة صحيحة؟ هل مصدرها موثوق؟ هل في نشرها نفع أم ضرر مع الابتعاد عن الانجرار إلى الاستفزاز والحوارات مع الحسابات المجهولة أو ما يُعرف بالذباب الإلكتروني، فبعض الجدل لا يراد منه الا الاستنزاف وتشتيت الوعي. ولنسهم في حماية الفضاء الرقمي بالإبلاغ عن الحسابات والمحتوى الذي يثير الفتن أو ينشر الشائعات، وندعم كل ما يعزز وحدة المجتمع وتماسكه.
اخيراً اختتم مقالي باقتراح إطلاق مبادرة وطنية لإعداد سفراء للوعي الفكري السليم في الفضاء الرقمي. تستهدف فئة الطلبة والشباب، بالتزامن مع حملة إعلامية رقمية ذكية تُنافس المحتوى المضلل بلغة عصرية قريبة من الشباب.
وطنٌ كالمملكة العربية السعودية، بما يحمله من ثقل ديني ومكانة دولية بارزة ومسيرة تنموية آمنة ومستقرة، يحتاج إلى مواطن واعٍ يوازي هذه المكانة، ويحمي هذا الاستقرار، ويصونه من كل ما قد يستهدفه فكريًا قبل أن يكون ماديًا.