عبدالعزيز بن عبدالإله العساكر
تواجه دول الخليج العربي تداعيات الحرب الأمريكية - الإسرائيلية على إيران، وهي تداعيات لا يمكن حصرها في بعدها العسكري المباشر، بل تمتد لتشمل تهديدًا عميقًا للأمن والاستقرار السياسي والاقتصادي في منطقة الشرق الأوسط.
إن هذه الحرب، بما تحمله من احتمالات تصعيد مفتوح، تسهم في خلق بيئة غير مستقرة في منطقة تُعد من أكثر مناطق العالم حساسية، نظرًا لكونها مركزًا رئيسيًا لإمدادات الطاقة العالمية. وعليه، فإن أي اضطراب أمني في الخليج لا يُعد شأنًا محليًا، بل يمثل تهديدًا مباشرًا للاقتصاد العالمي.
جاء تأسيس مجلس التعاون لدول الخليج العربية في سياق إقليمي مضطرب، خاصة بعد تداعيات الحرب الإيرانية - العراقية (1980 - 1988)، وما صاحبها من مخاوف خليجية من طموحات إيران في تصدير الثورة، إلى جانب القلق غير المعلن من الأجندة القومية لحزب البعث في العراق وسوريا.
ورغم أن المجلس نجح في خلق إطار سياسي وتنسيقي، إلا أنه لم يعمل على تطوير منظومة عسكرية فيدرالية فعالة تعكس موازين القوى الحقيقية داخل الخليج.
في هذا السياق لا يمكن فهم مستوى ومكانة المنظومة الأمنية الخليجية دون التطرق إلى طبيعة التواجد العسكري الأمريكي. فبعد حرب تحرير الكويت 1991م، ترسخ الوجود العسكري الأمريكي في الخليج تحت مفهوم «التمركز المتقدم للقوات» (Pre-positioning of forces)، وهو مفهوم لم يُحدد بدقة من حيث أهدافه الاستراتيجية.
ويمكن تحليل هذا التواجد من خلال احتمالين رئيسيين:
1 - وظيفة دفاعية: حماية دول الخليج وضمان أمنها في مواجهة التهديدات الإقليمية.
2 - وظيفة هجومية/استباقية: استخدام أراضي الخليج كنقطة انطلاق لعمليات عسكرية أمريكية أحادية لا ترتبط مباشرة بأمن الخليج.
وقد أشار مفكرون في التيار المحافظ الأمريكي، مثل ستيف بانون، إلى أن استمرار هذا التواجد يعكس تصورًا ضمنيًا بأن دول الخليج ما تزال ضمن إطار «الحماية» الاستراتيجية.
قد يُستدل على النمط الأحادي في السياسة الأمريكية من خلال غزو العراق 2003، إلا أن هناك فرقًا جوهريًا بين ذلك الحدث والتصعيد الحالي في 2026.
ففي عام 2003، استجابت الولايات المتحدة لمطالب المملكة العربية السعودية عندما قررت نقل قواتها من أراضيها إلى دول أخرى، وهو ما يعكس قدرًا من مراعاة التوازنات الإقليمية. أما في السياق الحالي، فإن التحركات الأمريكية تبدو أكثر استقلالية وأقل ارتباطًا بإجماع إقليمي، مما يكشف عن تباعد في مستويات التنسيق مما يؤثر سلباً في بنية المنظومة الأمنية القائمة.
وقد أدت الحرب الحالية إلى أضرار ملموسة، حتى وإن كانت محدودة في ظاهرها، إلا أنها تحمل دلالات استراتيجية عميقة.
وبرزت المملكة العربية السعودية كركيزة أساسية للاستقرار الإقليمي، حيث قدمت دعمًا متعدد الأبعاد للدول الخليجية المتأثرة بالحرب، ومن أهمها دعم سلاسل الإمداد وكذلك تمكين استخدام مطارات المملكة العربية السعودية لشركات الطيران الخليجية.
ونجحت كذلك المملكة في تشغيل خط أنابيب شرق - غرب المعروف ببترولاين بكامل طاقته التشغيلية التي تصل إلى 7 مليون برميل يومياً وتصديره من ميناء ينبع على ساحل البحر الأحمر مما خفف من الاعتماد على مضيق هرمز.
ومن الناحية الواقعية، يصعب على دول الخليج جميعها القبول بدمج جيوشها ضمن هيكلية دائمة تتبع لوزارة دفاع في أية دولة خليجية نظرًا لاعتبارات السيادة الوطنية.
إلا أن هذا لا ينفي الحاجة الملحة إلى تطوير نموذج مرن يقوم على: إنشاء قيادة عسكرية مركزية في الرياض انطلاقاً من مكانتها الإقليمية والدولية.
على أن تضم القيادة العسكرية لكل دولة خليجية لتتشكل بذلك قيادة مركزية موحدة مقرها الرياض، ويكون هدفها التخطيط والتوجيه خلال كل أزمة يواجهها المجلس.
وهذا النموذج يحقق التوازن بين متطلبات الأمن الجماعي والحفاظ على السيادة لكل دولة خليجية.
إن مستقبل الأمن في الخليج لم يعد مسألة ترتيبات عسكرية فحسب، بل هو مشروع استراتيجي يتطلب إرادة جماعية ورؤية طويلة المدى. وفي ظل عالم يتجه نحو تعددية قطبية وصراعات أكثر تعقيدًا، فإن الخيار أمام دول الخليج واضح والذي يتمثل بالمبادرة نحو بناء نموذج أمني خليجي يعكس مصالحها ويصون سيادتها.
يبقى العامل الحاسم في نجاح أي تحول استراتيجي هو إدراك دول الخليج لأولوياتها الأمنية، وإرادتها السياسية في الانتقال من منطق رد الفعل إلى منطق المبادرة، عبر تبني استراتيجية قادرة على التعامل مع الأزمات.
** **
- باحث في العلاقات الدولية والشؤون الاستراتيجية