عماد بن حمود الرحبي
لم تعدِ الراحةُ في حياةِ كثيرٍ من الناسِ أمرًا طبيعيًا يأتي في نهايةِ يومٍ متعبٍ، بل أصبحتْ أمنيةً صغيرةً تتكررُ في داخلِهم كلَّ يومٍ؛ فمع تسارعِ الحياةِ، وكثرةِ الالتزاماتِ، وضغطِ العملِ، وتزاحمِ المسؤولياتِ؛ صارَ الإنسانُ يشعرُ أحيانًا أنَّهُ يعيشُ في سباقٍ لا ينتهي، وأنهُ يركضُ من مهمةٍ إلى أخرى، ومن قلقٍ إلى قلقٍ؛ حتى فقدتِ النفسُ قدرتَها على التذوقِ الهادئِ للحياةِ.
والغريبُ أنَّ الإنسانَ في هذا العصرِ يمتلكُ من الوسائلِ ما لم يكنْ يملكهُ مَن قبلَهُ، لكنَّ راحتَهُ ليستْ بالقدرِ نفسِهِ؛ فالأجهزةُ كثرتْ، والخدماتُ تسارعتْ، ووسائلُ التواصلِ قربتِ البعيدَ؛ ومع ذلكَ لم يهدأِ الداخلُ كما كانَ متوقعًا؛ بل إنَّ كثيرًا من الناسِ أصبحوا أكثرَ تعبًا؛ لا لأنهم يعملونَ أكثرَ فقط، بل لأنَّ عقولَهم لا تتوقفُ، وقلوبَهم لا تجدُ مساحةً كافيةً للسكينةِ.
فالتعبُ ليسَ دائمًا تعبَ الجسدِ؛ هناكَ تعبٌ من نوعٍ آخرَ لا يُرى بسهولةٍ، لكنهُ أشدُّ أثرًا وأعمقُ وجعًا؛ تعبٌ ينتجُ من كثرةِ التفكيرِ، ومن تراكمِ الضغوطِ الصغيرةِ، ومن الشعورِ بأنَّ الإنسانَ مطالبٌ بأن يكونَ حاضرًا ومنجزًا ومتفاعلًا طوالَ الوقتِ؛ وهذا النوعُ من الإرهاقِ لا تعالجهُ ساعاتُ النومِ وحدَها؛ لأنَّ أصلَهُ في الداخلِ، في النفسِ التي لم تعدْ تجدُ فسحةً حقيقيةً تتنفسُ فيها بهدوءٍ.
لقد أصبحتِ الراحةُ عندَ بعضِ الناسِ مرتبطةً بأحلامٍ مؤجلةٍ: إجازة لم تأتِ بعدُ، أو سفر لم يتمَّ، أو ظروف لم تتحسنْ، أو وقتُ فراغٍ لا يكادُ يظهرُ؛ وكأنَّ الإنسانَ يربطُ سكينتَهُ دائمًا بشيءٍ بعيدٍ، وينسى أنَّ الراحةَ الحقيقيةَ قد تبدأُ من أشياءَ بسيطةٍ جدًا: من هدوءٍ قصيرٍ، من لحظةِ صمتٍ، من فنجانِ قهوةٍ بلا استعجالٍ، من جلسةٍ مع النفسِ بعيدًا عن الضجيجِ، أو من كلمةٍ طيبةٍ تخففُ ثقلَ اليومِ.
والحقيقةُ أنَّ الحياةَ لن تخلو من المسؤولياتِ، ولن تصبحَ خاليةً من الضغوطِ، ولن تمنحَ أحدًا أيامًا مثاليةً على الدوامِ؛ لكنَّ الإنسانَ الحكيمَ هو مَن يتعلمُ كيفَ يقتطعُ لنفسِهِ مساحاتٍ صغيرةً من الراحةِ وسطَ الزحامِ، لا بعدَ انتهائِهِ؛ لأنَّ انتظارَ الفراغِ الكاملِ قد يطولُ، وانتظارَ الظروفِ المثاليةِ قد لا ينتهي، بينما النفسُ تحتاجُ إلى شيءٍ من الرحمةِ الآنَ، لا لاحقًا.
ومن الأخطاءِ الشائعةِ أنَّ بعضَ الناسِ يظنونَ أنَّ الراحةَ تعني الكسلَ، أو أنَّ التوقفَ قليلًا نوعٌ من التقصيرِ؛ مع أنَّ التوازنَ هو ما يحفظُ الإنسانَ، لا الاستنزافُ المستمرُّ؛ فالذي يضغطُ على نفسِهِ بلا رحمةٍ يضعفُ مع الوقتِ، والذي يهملُ حاجتَهُ إلى الهدوءِ يدفعُ الثمنَ من صفائِهِ وصبرِهِ وصحتِهِ؛ وليسَ في الحياةِ بطولةٌ حقيقيةٌ في أن يتعبَ الإنسانُ إلى الحدِّ الذي يفقدُ معهُ طمأنينتَهُ.
ونحنُ بحاجةٍ إلى أن نعيدَ تعريفَ الراحةِ في وعينا؛ فهي ليستْ رفاهيةً زائدةً، ولا ترفًا خاصًا بمَن يملكونَ وقتًا أكثرَ من غيرِهم، بل حاجةٌ إنسانيةٌ أساسيةٌ؛ فالروحُ التي لا ترتاحُ تذبلُ، والعقلُ الذي لا يهدأُ يضطربُ، والقلبُ الذي لا يجدُ سكينةً يصبحُ أقلَّ احتمالًا، وأكثرَ حساسيةً، وأسرعَ انكسارًا.
لذلكَ، لا بأسَ أن يتعلمَ الإنسانُ أن يبطئَ قليلًا، وأن يعتذرَ عن بعضِ الاستنزافِ، وأن يمنحَ نفسَهُ حقَّها في الهدوءِ دونَ شعورٍ بالذنبِ؛ فليسَ مطلوبًا منهُ أن يحملَ العالمَ كلهُ على كتفيهِ، ولا أن يستجيبَ لكلِّ شيءٍ، ولا أن يظلَّ متماسكًا طوالَ الوقتِ بلا لحظةِ ضعفٍ أو توقفٍ؛ الإنسانُ بشرٌ، ومن حقهِ أن يرتاحَ كما يتعبُ، وأن يهدأَ كما ينشغلُ.
وفي النهايةِ، تبقى الراحةُ الحقيقيةُ ليستْ في غيابِ المسؤولياتِ، بل في حُسنِ التعاملِ معها، وفي القدرةِ على حمايةِ الداخلِ من الانهيارِ تحتَ ضغطِ الخارجِ؛ وما أحوجَ الناسِ اليومَ إلى أن يدركوا أنَّ بعضَ الراحةِ ليستْ تأجيلًا للحياةِ، بل هي ما يجعلُ الحياةَ ممكنةً ومحتملةً أصلًا.