ليالي السبيعي
سكنني ذاكرة مثقوبة، كأنها دفترٌ قديم بعثره العمر على عجل، ولم يترك لي منه سوى الصفحات الأثقل.
أفتحها فتقودني أولًا إلى أبي... إلى ريحانة عمري، وروحي التي كانت تنبض باسمه.
داهمه المرض كما تُداهم العتمة غرفةً مضاءة، لم يستأذن، لم يُمهل، بدأ يأكله سريعًا أمام عينيّ، وأنا أقف عاجزة، أعدّ أنفاسه وأخسر طمأنينتي مع كل زفرة. كنت أراه يذبل، وأذبل معه، وحين رحل، لم يكن الرحيل صاخبًا، كان صامتًا على نحوٍ موجع، لم يأخذ جسده فقط، بل أخذ شيئًا مني لن يعود.
منذ ذلك اليوم، تغيّر شكل العالم، صار أثقل.. أبرد.. وأوسع من قدرتي على الاحتمال. كأن الحياة سحبت يدها فجأة وتركَتني وحدي في منتصف الطريق.
بعده، لم يكن الفقد وحده امتحاني... في لحظة ضعفي، حين كنت أبحث عن كتفٍ أستند إليه، اكتشفت أن كثيرًا ممن حولي لم يكونوا سوى ظلال، نظرت إليهم بعيونٍ صادقة، فخدعوني بوجوهٍ لم تكن تشبه قلوبهم؛ صديق وعدني أن يكون حاضرًا، ثم اختفى عند أول تعب، وآخر كان يصغي لوجعي كأنه حكاية عابرة، ثم مضى يلوكها في غيابي.
تعلمت يومها أن بعض القلوب لا تقترب لتواسيك، بل لتتأكد من سقوطك.
كنت أنظر إليهم بعين الامتنان، وأحسبهم سندًا، واليوم أراهم بوضوحٍ جارح:
كيف صاروا غرباء رغم القرب..؟!
وكيف خفّ وزنهم في حياتي حتى لم يعد لغيابهم صوت..؟!
لم يؤلمني ابتعادهم بقدر ما آلمني اكتشافي أنني كنت وحدي منذ البداية.
بعد فقد أبي، ذهبت إلى القاهرة للدراسة. لم تكن مجرد مدينة أو مرحلة تعليم، كانت انتقالًا قسريًا من ابنةٍ مكسورة إلى امرأة تحاول النجاة.
جاءت القاهرة في وقتها القاسي، كأنها اختبارٌ جديد بعد خسارة لا تُحتمل. مشيت في شوارعها العتيقة، بين بناياتٍ عُمّرت قبل أن أولد، تقف بشموخ رغم ما مرّ بها. كنت أرفع رأسي إلى شرفاتها القديمة، فأرى وجه أبي. كان يحب القاهرة كما يحب كتابًا مفتوحًا، يرى فيها حياةً لا تشيخ، وتاريخًا لا يخذل. في كل مبنى قديم، كنت ألمح ظله، وفي كل شارع طويل، أسمع صوته وهو يروي حكاياته عنها. وهناك، وسط الزحام، تذكّرت قول مظفّر النوّاب، كأنه كان يقف معي، وهو يبتسم لأطياف ذاكرته ويلوح لهم بيأس:
«ما زلتُ كما بالأمس، ألوّحُ بالقلب لهم،
ثمّة وداعٌ يبقى،
ثمّة رحيلٌ يترك في الروحِ محطّة».
فهمت عندها أن أبي لم يرحل تمامًا، لقد ترك في القاهرة محطّة من روحه، وفي قلبي وداعًا لا يكتمل.
في هذه المدينة، تعلّمت أن ما يصمد لا يكون بلا جراح، وأن الجمال الحقيقي يشبهها؛ متعب... متصدّع...لكنه واقف.
وحين عاد الليل يثقل صدري، لم أجد سوى قلمي.
كان الوحيد الذي لم يطالبني بالقوة، ولم يخذلني حين ضعفت.
أكتب؛ فأهدأ.. أكتب؛ فأرمم ما تهدّم.
أما الكتاب، فكان أنيسي وسلواني، اليد التي أمسكت بي حين أفلتتني الحياة.
علّمتني هذه الرحلة أن الذاكرة ليست عبئًا، بل طريق.
طريقًا مرصوفًا بالفقد، والخذلان، والحب، والنجاة.
وأن أبي، وإن غاب جسدًا، ما زال يسير معي في المدن التي أحبها، وفي الكلمات التي علمني إياها، وفي قلبي.. حيث لم يرحل يومًا.