د. ناهد باشطح
فاصلة:
«أكبر عدو للمعرفة ليس الجهل، بل وهم المعرفة».
-ستيفن هوكينغ-
* * * *
صورة لحساب أخباري به خبر مثير بدون مصادر توضع في وسائل التواصل الاجتماعي وتبدأ الأسئلة عن صحة الخبر، هذا ما يحدث في ساحات التواصل الاجتماعي، وفي وقت الأزمات يزيد انتشار مثل هذه الأخبار العاجلة، فالخوف بيئة مثالية للإشاعة، ولدى الناس وقتها حاجة للطمأنينة بأي شكل مما يجعل مثل هذه الأخبار مهمة للناس ولكن لماذا يصدق بعض الناس الإشاعات؟
لأن الخوف يعطِّل التفكير النقدي، والناس تصدق ما يتوافق مع مخاوفها.
وهنا يكون التساؤل المهم: أين الإعلام الحقيقي وسط هذه الفوضى؟
حين يصدق الناس الإشاعات، فهم لا يتجاهلون صوت عقولهم بقدر ما يستجيبون للخوف ففي لحظات التوتر، لا يعمل التفكير بالطريقة نفسها، التي يكون عليها حين يكون الجهاز العصبي مستقراً، وقت التوتر يكون التفكير متحفزاً يبحث عن إجابة سريعة، لا عن إجابة دقيقة، ويصبح أي تفسير أفضل من الغموض، وأي خبر قابل للتصديق إذا كان يتوافق مع ما يتوقعه.
وهنا، لا تنتشر الإشاعة لأنها مقنعة بالضرورة، بل لأنها تملأ فراغًا نفسيًا وتصبح انعكاسًا لطريقة تفكير الإنسان حين يشعر أن العالم من حوله لم يعد آمناً بما يكفي.
وهناك بعدٌ مهم في انتشار الشائعات وهو غياب دور الإعلام وتحول بعض حسابات التواصل الاجتماعي من ناقل خبر إلى صانع فوضى. والفرق بين الصحفي الذي يبحث عن الحقيقة وصانع المحتوى الذي يبحث عن التفاعل شاسع.
وفي السنوات الأخيرة، لم يعد السؤال من ينقل الخبر؟ بل من يسبق إليه.
ومع هذا التحوّل، تراجع حضور الصحفي الذي كان يبحث عن مصدر المعلومات، ليبرز بدلًا منه صانع المحتوى الذي ينقل المعلومة كما هي أو مجتزئة. لم يختفِ الصحفي، لكنه لم يعد الصوت الأعلى، حيث تصدَّرت منصات التواصل الاجتماعي مشهدًا جديدًا تُصنع فيه الأخبار سريعاً دون الدقة.
وهنا لم تتغيَّر طريقة نقل الخبر فقط، بل تغيَّر شعور الناس تجاهه.
ومع تكرار الإشاعات، ولدت أزمة ثقة بين الإعلام والجمهور.
في كل تصعيد سياسي أو عسكري، تتكرر القصة ذاتها، وإن اختلفت الجغرافيا. من العراق عام 2003، حين بُنيت رواية «أسلحة الدمار الشامل» على معلومات تبيَّن لاحقًا عدم دقتها، إلى الحرب الروسية الأوكرانية التي غصَّت بمقاطع مضلِّلة، وصولًا إلى جولات التصعيد في غزة، حيث تختلط الصور القديمة بالوقائع الجديدة، يبقى المشهد أن الحقيقة تضيع وسط الفوضى.
اليوم، ومع التوتر المتصاعد بين إيران والولايات المتحدة وما ينعكس على منطقة الخليج، يعود السؤال نفسه: ما الذي يحدث فعلًا؟ في هذا المناخ المشحون، لا تنتشر المعلومات فقط، بل تتكاثر الروايات، ونشهد كيف تتحول المعلومة إلى إشاعة خلال دقائق، هذا يحدث بسبب إعادة النشر بدون تحقّق.
وتحول الإشاعة إلى سلوك جماعي نشارك فيه دون أن نشعر، بضغطة زر نعيد بها النشر.
نحن اليوم بحاجة إلى الوعي، حيث أصبح كل شخص وسيلة إعلام سواء من حيث إعادة الإرسال والنشر أو التعليق وتضخيم الحدث أو التفاعل وتعزيز الانتشار.
لذلك دعونا نتفق على أهمية التوعية بمكافحة الإشاعات واتخاذ بروتوكول لمواجهة الأخبار، لنبدأ من مواجهة أي خبر لا بد من السؤال عن المصدر الذي نشر الخبر؟ هل هو جهة رسمية؟ أم حساب مشهور؟ أم حساب مجهول؟
فإذا الخبر بلا مصدر موثوق هذا يعني أنه إشاعة حتى يثبت العكس وكذلك لا بد من معرفة الأدلة، هل يوجد تصريح رسمي، مصدر واضح، ومن ثم نلاحظ التوقيت هل الخبر منتشر «فجأة» وبشكل واسع؟
هل جاء في وقت توتر أو خوف؟
كثير من الإشاعات تظهر وقت الحروب والأزمات. وكذلك من المهم ملاحظة اللغة المستخدمة، فالإشاعة غالبًا عاطفية، مخيفة أو صادمة تحتوي كلمات مثل:
«عاجل جدًا»، «انشر قبل الحذف»، «خبر خطير».
وفي نهاية الملاحظة يكون السؤال:
هل نفس الخبر موجود في وسائل إعلام موثوقة؟
هل تم تأكيده؟
إذاً لا: غالبًا هو إشاعة.
ماذا لو أننا قبل أن نعيد إرسال أي خبر استعرضنا الخطوات السابقة لنتوقف قبل المشاركة في النشر قبل التحقّق من صدق الخبر حتى لا نشارك في نشر الإشاعات فالناس يتقسمون إلى نوعين:
1- ناقل الإشاعة الذي ينشر بدون تفكير.
2- المتلقي الواعي الذي يتوقّف، يفّكر، يتحقّق.
والسؤال: أي نوع نريد أن نكون؟
فالإشاعة لا تنتشر وحدها... نحن من ننشرها
وبين خبرٍ صحيح... وإشاعة، هناك قرار صغير أن نصدّق أو أن نفكّر.
فاختر عزيزي القارئ من تريد أن تكون.