د. سعاد المانع
منذ أن حطت عيناي على غلاف كتاب (نوف) للبروفسورة والإنسانة الراقية د. نورة الشملان، ولونه الأخضر القاني الجذاب في كثافته مع العناية برسم عنوانه بالخط العربي وبلون ذهبي عميق، أدركتُ أنني أمام تجربة قراءة عن سيرة غيرية لشخصية استثنائية لها حضورها الثري كتبتها المؤلفة، واختارت اسمها (نوف) عنواناً للكتاب كمفتاح سحري لإنسانيتها، وقد أشارت المؤلفة في سيرتها إلى أنه أول اسم تتسمَّى به أميرة في العائلة السعودية المالكة، وذلك بعد إصرار والدتها على تسميتها به، ثم بات مستخدماً في العائلة، وكانت (نوف) اسماً على مسمى، ومن اسمها الذي يعني الرفعة والعلو وقمة الجبل العالي لها نصيب عظيم، هكذا اعتنت المؤلفة في تقديم هذه الكثافة البصرية اللونية لشخصية ملكية وطنية من خلال الغلاف على بساطته، وبما يتواءم مع كثافة التجربة الكتابية الإنسانية في سيرة شخصية ثريَّة في إنسانيتها ودبلوماسيتها وأخلاقياتها وثقافتها ومسؤوليتها العالية، حيث عرفتنا بصاحبة السمو الملكي الأميرة نوف بنت عبدالعزيز آل سعود -رحمها الله- ابنة الملك المؤسس -طيَّب الله ثراه- وأخت الملوك الذين ساروا على نهج والدهم فبنوا حضارة الدولة السعودية وإنسانها.
ومنذ البداية، فإن الدكتورة الشملان تجعلك تعيش معها دهشتين، الأولى: اختيارها الكتابة عن سيرة حياة أميرة سعودية استثنائية، ومعروف أن ترجمة الشخصيات ليس بالأمر اليسير، وأعرف ذلك من خلال تجربتي في ذلك، فما بالنا في ترجمة تاريخية لحياة أميرة من العائلة الملكية، فإنه عمل ليس بالبساطة التي يعتقدها الكثيرون لما تتطلبه من الدقة والفحص المستمر في جمع المعلومات وتوثيقها، أما الدهشة الثانية: ففي تأمل تلك التفاصيل الصغيرة والجميلة في حياة الإنسانة (نوف) الأميرة والمثقفة والأم والشقيقة والجدة والصديقة، وكانت المؤلفة وهي الأكاديمية الحاصلة على درجة الأستاذية في الأدب العربي قد استخدمت أسلوباً أدبياً جاذباً رشيقاً جعلت قارئها يعيشها معها منذ لقائها الأول بصاحبة السمو الملكي الأميرة نوف في جمعية النهضة النسائية، ثم أخذت في سرد حياتها بكثافة إنسانية أظهرت مدى صعوبة الجهد الذي بذلته في جمعها للمعلومات عن مسيرتها منذ الولادة وحتى رحيلها -رحمها الله- وهي لا تكتفي بذكر إنجازات الأميرة نوف، بل نرى المؤلفة تغوص في تحليل سماتها الشخصية جعلتنا كقراء نشعر بالقرب منها وأشعرتنا بعاطفة محبة لها، ولا تنفك تجد نفسك وأنت تقرأ بوجدان حاضر في الكتاب حتى تصل إلى الصفحة الأخيرة منه، لتتأمل حياة الأميرة نوف وتحبها من قلبك رغم أنك لم تلتقها من قبل، لقد كانت شخصية سابقة لزمانها ومُلهمة بوعيها وثقافتها وأصالتها، ثم تنتهي بك المؤلفة في آخر فصل مصور من الكتاب لتتأمل شخصية الأميرة من خلال تفاصيلها اليومية، بداية من لون ساحة قصرها إلى صالونها المفضَّل وحجرة نومها وانتهاء بمشطها ومرآتها وقلمها المفضَّل وبعض ملابسها الأنيقة. لقد نقلتنا الدكتورة نورة بين فصول الكتاب في رحلة مُشوِّقة من خلال تجربتها الجريئة في الكتابة عن شخصية استثنائية لأميرة ولدت وتربت وعاشت حياة الأمراء، لكنها إنسانة قريبة جداً من الناس، قرب جعلها تبتكر خلطة من العطور تحمل اسمها، واستفاد منها صاحب محل العطور دون أن تأخذ مقابل عليه، قربٌ لطالما جعلها تشتري كامل البطيخ من الباعة الذين تراهم في طريقها كي تسعدهم وتريحهم من عناء البيع الطويل تحت حرارة الشمس، قريبة لأن تتبنى طفلتين يتيمتين في قصرها وتهتم بتعليمهما وتفتح لهما بقالة صغيرة في القصر كي يتعلما التجارة، قريبة إلى الحد الذي يجعلها تراعي مشاعر الناس وتسأل عن القريب والبعيد بتواضع رفيع وقيمالية، قريبة ليس بمالها وكرمها الكبير كقلبها؛ بل حتى بحليبها مع أطفال من يعملن في بيتها وترعاهم بمحبة ومودة كأهل بيتها، وقد برزت هذه الكثافة الإنسانية التي تمتعت بها الأميرة نوف من خلال شهادات الوفاء التي جمعتها المؤلفة في الفصل الرابع من الكتاب، وسطَّرت مشاعر أبنائها وأحفادها وأقربائها وصديقاتها ومن عرفوها عن قرب في رسائل تحدثوا فيها بشفافية إنسانية عالية، فيما جاءت القصائد الشعرية التي تناولتها عميقة في معانيها ملهمة بما اتسمت به من سمات وثقافة.
لقد سردت الدكتورة نورة الشملان بحبر من الوفاء متدفقة في لغتها الأدبية الرصينة وتوثيقها التاريخي الدقيق؛ رحلة خصبة إنسانياً معطرة بالقيم والسمو الروحي والوعي المسؤول للأميرة نوف بنت عبد العزيز -رحمها الله- ومنحت القارئ بذلك فرصة للوقوف أمام مرآة تعكس للأجيال دور المرأة الفاعل في التحولات التاريخية في المملكة من خلال مسيرة حياة شخصية نسائية ملكية ملهمة وقدوة نفتخر بوجودها في ذاكرتنا السعودية الوطنية.