أحمد آدم
لم يكن إعلان واشنطن الحرب على إيران في مارس 2026 مجرد فصل جديد من فصول التوتر في الشرق الأوسط، بل كان بمثابة «الزلزال الجيوسياسي» الذي صدّع جدران القارة العجوز إلى الأبد. فبينما كانت الطائرات الأمريكية تبحث عن أهدافها في طهران، كانت بروكسل وبرلين وباريس تبحث عن شيء آخر تماماً: «الاستقلال عن الوصاية الأمريكية»
لقد بدأت القصة بـ«ابتزاز» جغرافي في جرينلاند، وانتهت بـ«عقد مشروطيات» أمني طرحه ماركو روبيو، ليضع القادة الأوروبيين بما في ذلك اليمين المتطرف أمام حقيقة مرة: المظلة الأمريكية لم تعد مجانية، ولا حتى آمنة.
واليوم، ونحن نرقب نهاية دخان الحرب، نجد أنفسنا أمام ميلاد «أوروبا جديدة»؛ قارة ترفض أن تكون ساحة خلفية لصراعات القوى العظمى، وتستعد للانقسام إلى قطبين ببراغماتية قاسية، باحثةً عن أمنها التكنولوجي في الغرب، وهدوئها الحدودي في الشرق بضمانات صينية، بعيداً عن تقلبات عالم الغابة الذي خلقه دونالد ترامب.
البدايات الحقيقية لتغير العلاقة الأوروبية الأمريكية:
مطبات صعبة تعرضت لها أوروبا بداية من العام الماضى (2025) ولكنها أدت لتغييرات كبيرة فى مواقف أوروبا بيمينها المتطرف فى علاقتها بترامب وفوضاه المثيرة للجدل وجعلتنا نشهد بدء نهاية زمن الوصاية الأمريكية عليها.
«البداية: كانت مع رغبة أمريكا فى الهيمنة على نصف الكرة الغربي، حيث بات الهدف المعلن لترامب أن الأولوية القصوى هي تأمين الحدود والهيمنة على الأمريكتين (الولايات المتحدة وكندا والمكسيك ودول أمريكا اللاتينية) كمنطقة اقتصادية وأمنية حصرية بعيداً عن نفوذ المحور (الصيني-الروسي). ترامب فكر كثيرا في «الجغرافيا الاقتصادية» للمستقبل حيث الممرات الملاحية الجديدة في القطب الشمالي والثروات المعدنية الهائلة مما يجعل القارة الأمريكية الشمالية «قلعة حصينة» ومكتفية ذاتياً.
وهو ما أدى للعودة بالمطالبة بجرينلاند وهي رسالة بأن أمريكا لم تعد تعترف بحدود الحلفاء إذا تعارضت مع مصالحها. في البداية، قوبلت فكرة ترامب بشراء جرينلاند (وهي جزء شبه مستقل من الدنمارك) بالرفض التام والسخرية من قبل أوروبا، لكن التهديد اللاحق بفرض رسوم جمركية إضافية على الدول الأوروبية التي تعارض خطته أدى إلى رد فعل أوروبي أكثر حزماً وموحداً، وصل إلى حد التهديد بحرب تجارية.
تصاعد الأزمة التجارية بشكل كبير:
فقد عقد الاتحاد الأوروبي اجتماعات طارئة لوضع استراتيجية رد جماعية. وأكدت الدول الأوروبية بما في ذلك فرنسا وإيطاليا على ضرورة مواجهة تهديدات ترامب ورفضها للابتزاز التجاري وهذا يعكس وبوضوح فشل الدبلوماسية الاقتصادية التى كان يراهن عليها ترامب لاختراق السوق الاوروبية منفردا. كما لوحت أوروبا بتفعيل «آلية مكافحة الإكراه» التجارية الخاصة بها، والتي تسمح بفرض رسوم جمركية مضادة تصل قيمتها إلى 93 مليار يورو على السلع الأمريكية، ثم صوت البرلمان الأوروبي على تعليق الموافقة الرسمية على اتفاق تجاري كان قد تم التوصل إليه مع الولايات المتحدة سابقاً في خطوة لإظهار الرفض القاطع للضغوط الأمريكية.
باختصار، حولت تهديدات ترامب أزمة دبلوماسية وُصفت بالسخيفة في البداية إلى مواجهة تجارية جادة ما دفع أوروبا إلى توحيد صفوفها وإعداد رد حازم ومتبادل بالمثل. وفي النهاية أعلن ترامب تراجعه عن التهديدات بالتعريفات الجمركية بعد التلويح الأوروبي بالرد التجاري القوي. هذا التراجع لم يرمم الثقة بل زاد من قناعة الأوروبيين بأن أمريكا أصبحت حليفاً لا يمكن التنبؤ به.
تصدع التحالف مع اليمين المتطرف:
بعد سنوات من الدعم المتبادل بدأت الأحزاب اليمينية القومية في أوروبا بالابتعاد عن ترامب بسبب شعورها بالتهديد المباشر لسيادتها الوطنية. فوصف زعماء يمينيون بارزون مثل جوردان بارديلا (فرنسا) وأليس فايدل (ألمانيا) محاولات ترامب للسيطرة على غرينلاند بأنها «ابتزاز تجاري» و»تدخل في الشؤون الداخلية». كما صرحت أليس فايدل (حزب البديل من أجل ألمانيا) بأن ترامب «انتهك وعداً أساسياً بعدم التدخل في شؤون الدول الأخرى» بينما وصف حلفاء سابقون مثل نايجل فاراج تحركات ترامب بأنها عمل عدائى.
جرينلاند كانت نقطة فاصلة فأوروبا اليوم لم تعد «العجوز الضعيفة» بل هي في حالة «استنفار سيادي» واليمين المتطرف الذي كان يأمل ترامب أن يكون «طابوره الخامس» لتفكيك الاتحاد الأوروبى أصبح الآن هو الأكثر تشدداً في حماية «الأرض الأوروبية» من الأطماع الأمريكية.
الحرب الإيرانية والنقطة الفصل:
ثم جاءت حرب ايران سريعا لتكون النقطة الفصل فى العلاقة الاوروبية الامريكية. والتى نتوقع بانتهائها أن تبدأ علاقات جديدة لا بين أوروبا وأمريكا فقط بل بين دول أوروبا والصين وروسيا وكذا بين دول أوروبا بعضها البعض.
الرفض الأوروبى لحرب ايران والتمسك بالحل الدبلوماسي: الرأي الأوروبي العام يميل إلى رفض الانخراط المباشر في حرب إيران وبخاصة مع بدء التحرك الفعلي نحو بناء قدرات دفاعية أوروبية مستقلة، تحسباً لأي تراجع في الالتزام الأمريكي بالناتو وتهديده بالانسحاب منه.
فرنسا وألمانيا:
عبّر مسؤولون في البلدين عن استيائهم من عدم التنسيق المسبق قبل بدء العمليات العسكرية ضد إيران. وأكدت وزيرة القوات المسلحة الفرنسية (كاثرين فوترين) أن هذه الحرب «ليست حربنا»، مشددة على أن الموقف الفرنسي دفاعي بحت ويدعم المسار الدبلوماسي لضمان السلام. كما انتقد وزير الدفاع الألماني واشنطن لعدم وجود «استراتيجية خروج» واضحة من هذا الصراع.
إسبانيا:
كانت الأكثر وضوحاً في مواجهة الضغوط الأمريكية، حيث منعت استخدام مجالها الجوي وقواعدها للعمليات ضد إيران، وهو ما وصفه روبيو بأنه موقف «مخيب للآمال».
التوجه نحو «الاستقلال الاستراتيجي»: أورسولا فون دير لاين (رئيسة المفوضية الأوروبية) دعت إلى ضرورة أن يصبح الاتحاد الأوروبي أكثر استقلالية، خاصة في مجالي الدفاع والسيادة الرقمية. وصفت الناتو بأنه «تحالف ثمين» لكنها أكدت أن على أوروبا الاعتماد على نفسها بشكل أكبر. كير ستارمر (رئيس الوزراء البريطاني): رغم دعم بريطانيا للتحالف التاريخي، إلا أنه حذر من «الاستسلام لراحة الطمأنينة» الأمريكية، داعياً أوروبا للوقوف على قدميها وتعزيز الترابط الدفاعي بين دول القارة.
حديث خطير لمارك روبيو: هل تتخارج أمريكا:
حديث ماركو روبيو (وزير الخارجية الأمريكي) لا يعني بالضرورة «تخارج» الولايات المتحدة من حلف الناتو، لكنه يمثل تهديداً صريحاً بإعادة تقييم شاملة لجدوى التحالف وشروطه بعد انتهاء العمليات العسكرية ضد إيران. أبرز النقاط التي تضمنها حديثه:
خيبة الأمل من الحلفاء:
أعرب روبيو في مقابلة أجراها (بتاريخ 30 مارس 2026) عن استياء واشنطن الشديد من رفض بعض دول الناتو (مثل إسبانيا) السماح للطائرات الأمريكية باستخدام مجالها الجوي أو قواعدها العسكرية لشن هجمات في الحرب ضد إيران.
انتقاد «عدم التبادلية»:
انتقد روبيو ما وصفه بالعلاقة غير العادلة، قائلاً: إن الناتو لا يمكن أن يقتصر على دفاع أمريكا عن أوروبا عند تعرضها لهجوم، بينما يرفض الأوروبيون تقديم الدعم لأمريكا في وقت حاجتها.
مقارنة بأوكرانيا:
شدد روبيو على أن أمريكا دعمت أوروبا في حرب أوكرانيا رغم أنها «ليست حرباً أمريكية»، بينما تخلت بعض دول الحلف عن أمريكا في حرب إيران بحجة أنها «ليست شأناً أوروبياً».
إعادة التقييم:
التهديد الأساسي الذي وجهه هو أن «كل شيء سيخضع للمراجعة» بعد انتهاء الحرب. هذا التصريح يشير إلى احتمال تقليص الالتزامات الأمريكية أو تغيير شكل التواجد العسكري في أوروبا، بدلاً من الانسحاب الكامل المفاجئ .
قلق أوروبا من تصريحات روبيو «تحول العقيدة»
يرى دبلوماسيون أوروبيون أن لغة روبيو تمثل تحولاً من اعتبار الناتو مجتمعاً أمنياً وسياسياً إلى ترتيب قائم على الأداء، وهناك تخوف حقيقي في بروكسل وبرلين وباريس من أن تتحول الضمانات الأمنية الأمريكية إلى «عقد بمشروطيات»، حيث تتقلص الحماية الأمريكية في حال عدم الامتثال للمطالب العسكرية لواشنطن خارج نطاق أوروبا.
سيناريوهات ما بعد انتهاء الحرب:
انتهاء الحرب الايرانية بدون تهور ترامب وتوجيهه لضربة نووية حتى ولو محدودة لإيران لضمان استسلامها للمفاوضات بلا أى شروط وهو ما سيصدر فوضى عالمية غير مسبوقة. سيجعلنا أمام سيناريو تنقسم فية أوروبا كما سبق وأن كانت قبل تفكك الاتحاد السوفيتى الى اوروبا الغربية بالدول الاسكندنافية واوروبا الشرقية، وتتضمن روسيا وهو السيناريو الواقعى الذى يمكن أن يتحقق وبدرجة كبيرة حيث كل الدول الأوروبية فيه رابحة مع تفاوت درجة الربح
سيناريو تشكيل حلف أوروبا الغربية:
(بقيادة فرنسا وألمانيا) أدركت أن «المظلة الأمريكية» لم تعد مجانية ولا مضمونة. فسنرى بذور تحالف اقتصادي صلب بعيداً عن الهياكل التقليدية المترهلة للاتحاد الأوروبي فهذا القطب بدأ يبحث عن مصلحته المباشرة؛ لذا رأينا كيف بدأت القنوات الدبلوماسية في باريس وبرلين تنفتح على بكين بشكل غير مسبوق لتأمين سلاسل التوريد بعيداً عن تهديدات ترامب الجمركية. فأوروبا الغربية ترى في الصين «الشريك العقلاني» الذي يبحث عن التجارة لا عن «الابتزاز الجغرافي» كما يفعل ترامب في جرينلاند.
ورأينا في الأيام الماضية كيف بدأت بريطانيا وفرنسا قيادة «ائتلاف الراغبين» الأوروبي لتوفير ضمانات أمنية للقارة تعويضاً عن تراجع الدور الأمريكي في الناتو وانضمام إيطاليا وإسبانيا وسويسرا والدول الاسكندنافية لهذا القطب يحوله من مجرد اتحاد جمركي إلى كتلة جيوسياسية تسيطر على شمال وجنوب القارة وممراتها الحيوية وسويسرا بمركزها المالي ستلعب دور «المخزن الآمن» للثروات الأوروبية الهاربة من تقلبات الدولار «الترامبي والدول الاسكندنافيه هي الآن «خط الدفاع الأول» ضد أطماع ترامب في القطب الشمالي وجرينلاند. وتكاتفها مع القطب الغربي يحول المنطقة من ساحة نفوذ أمريكي إلى حصن سيادى أوروبى .
وهذا القطب الغربي يمتلك ميزة كبرى وهى التكامل فيجمع بين التكنولوجيا الألمانية والقوة النووية والدبلوماسية الفرنسية والمركز المالي السويسرى والخبرة الاستخباراتية البريطانية مع القوة التصنيعية الإسبانية والإيطالية وهذا القطب سيشكل «سوقاً موحدة» عملاقة تتجاوز تعقيدات بروكسل البيروقراطية القديمة، وبالتالى فأوروبا لم تعد تابعة بل هي قطب «غربي» مستقل تقوده الثلاثية (بريطانيا، فرنسا، ألمانيا) ومدعوم بدول الثقل الجنوبي والشمالي، كما أن الانفصال النفسى عن أمريكا هو التحول الأهم فلم يعد الأوروبيون ينتظرون الحماية من البيت الأبيض بل بدأوا في بناء قلعتهم الخاصة، وهذا القطب سيحدد مصلحته ببراغماتية تجارة مع الصين وهدوء (عبر العصا والجزرة) مع روسيا لتأمين الحدود الشرقية .
وضعا فى الاعتبار:
إذا بدأت دول مثل ألمانيا وفرنسا في إبرام صفقات منفردة مع الصين فقد نشهد ظهور «يورو رقمي» خاص بدول المركز أو عودة تدريجية للعملات الوطنية بصبغة تكنولوجية لتؤمن دول اوروبا الغربية مصالحها بعيداً عن عبء الدول الضعيفة في الاتحاد الأوروبى. كما أن أوروبا الغربية أدركت أن الاعتماد على «سيليكون فالي» (جوجل، إكس، مايكروسوفت) هو ثغرة أمنية في ظل فوضى ترامب فتوجه أوروبا الآن لبناء سحابة سيادية أوروبية وبنية تحتية للاتصالات بعيدة عن الأقمار الصناعية الأمريكية (ستارلينك وغيرها).
هذا الاستقلال التقني هو الذي سيعطي القطب الأوروبي الغربي القدرة على أن يكون منفرداً ومحمياً اليمين المتطرف الأوروبي الذي تحول عن ترامب سيبدأ في تبني قومية أوروبية وهذا يعني أننا قد نرى جيشاً أوروبياً موحداً فعلياً خلال عام 2026 ليس لحماية العالم بل لحماية «القلعة الأوروبية» فقط .
وبما أن ترامب وضع عينه على جرينلاند فإن أوروبا (خاصة الدول الاسكندنافية) ستجد نفسها في «خط المواجهة الأول وبالتالى فقد نشهد «عسكرة» للقطب الشمالي حيث تحاول أوروبا الغربية منع أمريكا من السيطرة الكاملة على ممرات التجارة الجديدة التي ستنشأ مع ذوبان الجليد وهي الممرات التي تربط أوروبا بالصين مباشرة دون الحاجة للمرور عبر مناطق النفوذ الأمريكي، فهذا ليس مجرد «خلاف حدودي»، بل هو صراع على «طريق الحرير القطبي» الذي سيربط أوروبا بالصين مباشرة بعيداً عن الرقابة الأمريكية.
خطة اليمين المتطرف:
خطة الأحزاب اليمينية المتطرفة التى تستهدف عمليات تهجير واسعة للمهاجرين مع دعم رقابة الحدود للدول الواقعة على المحيط الاطلسى للحد من الهجرة الشرعية. هذا أفضل سيناريو يمكن أن يحدث للقارة الأوروبية فيجب أن تشكل أوروبا كقطب عالمي منفرد ومستقل استراتيجياً حيث تخلصت فعلا من عباءة التبعية المطلقة لواشنطن بعد «فوضى ترامب» وأزمة جرينلاند التي مست السيادة الأوروبية في الصميم. هذا القطب الجديد يتكون من «قلب نابض» يضم بريطانيا وفرنسا وألمانيا ومعهم إيطاليا وإسبانيا وسويسرا والدول الاسكندنافية مشكلين كتلة اقتصادية ودفاعية صلبة تتجاوز بيروقراطية الاتحاد الأوروبي القديم.
الأنياب المالية:
ولأن السيادة لا تكتمل بدون أنياب مالية، فيمكن أن يبدأ القطب الغربي في دراسة بناء «درع نقدي» مستقل، يتجاوز مقصلة (سويفت) عبر أنظمة دفع سيادية، ويحول احتياطياته من مجرد مخزون دولاري إلى سلة أصول صلبة وعملات جيوسياسية تضم اليوان، لتأمين سلاسل الإمداد بعيداً عن سياسة العقوبات الأمريكية .
سيناريو حلف روسيا وأوروبا الشرقية :
تقاعس ترامب عن ردع روسيا فتركها تعربد وتسبب قلقا بالغا للدول الأوروبية المجاورة كبولندا ودول أوروبا الشرقية، كما أن ترامب ربط زيادة الضغط الأمريكي على روسيا بضرورة قيام أوروبا بفرض عقوبات قاسية على الدول الكبرى التي تواصل شراء النفط الروسي مثل الصين والهند. وهذا الشرط وضع أوروبا في «ورطة استراتيجية معقدة» حيث تضطر للاختيار بين إغضاب واشنطن أو الإضرار بعلاقاتها التجارية مع بكين ونيودلهي. والواقع يؤكد أن روسيا تستغل الخلافات السياسية داخل أوروبا لدعم الأحزاب اليمينية المتطرفة أو الشعبوية التي تتشكك في مؤسسات الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو. كما تستخدم موسكو وسائل إعلامها مثل قناتي «روسيا اليوم» و«سبوتنيك» لتقديم وجهات نظرها حول الأحداث العالمية وتشكيل الرأي العام الأوروبي بما يخدم مصالحها. كما تعتمد على المبادرات الثقافية والتعليمية لتعزيز جاذبيتها. وفي الوقت الذي تتعرض فيه دول مثل بولندا وأستونيا ودول البلطيق لتوغلات عسكرية روسية جوية مما يثير قلقها ويدفعها لتعزيز دفاعاتها نجد أن الدبلوماسية الروسية تسعى في الوقت ذاته لإقناع هذه الدول أو غيرها بوجود فرصة للتعاون.
هذا التناقض يُظهر أن روسيا لا تعتمد على أسلوب واحد في سياستها الخارجية بل تستخدم أسلوب العصا والجزرة. لتغرى بعض الدول الأوروبية وخصوصا الشرقية بالعودة لتعزيز علاقاتها مع روسيا وإبرام اتفاقيات أمنية أو دفاعية مستقلة عن الناتو. فموسكو تعرض الآن «أمناً طاقياً» واتفاقيات عدم اعتداء بضمانات صينية مستغلةً انسحاب ترامب التدريجي من التزامات الناتو (وفق وثيقته الاستراتيجية لعام 2026) وهو ما يمكن أن يحفز دول أوروبا الشرقية وتجد نفسها مضطرة للقبول بـ «منطقة نفوذ روسية» هادئة لتجنب صراع عسكري لن يأتي فيه الأمريكيون لنجدتهم. هذا يخلق بالفعل «قطباً معزولاً» يؤمن حدود روسيا ويضمن لأوروبا الشرقية البقاء خارج أتون الحرب. وبينما تنكفئ أوروبا الغربية على تأمين نفسها تكنولوجياً ومصرفياً بعيداً عن هيمنة الدولار تبرز ملامح «قطب معزول» في أوروبا الشرقية يؤمن حدوده مع روسيا عبر معادلة «العصا والجزرة» مما يضمن هدوء الجبهة الشرقية. لتبدأ القارة في تحديد مصالحها ببراغماتية عالية منفتحة على الصين كشريك تجاري عقلاني ولتصبح أوروبا «حصنان سياديان» يرفضان أن يكونا ساحة خلفية لصراعات القوى العظمى أو عهدة في يد ترامب العشوائي.
خاتمة
إن ما نشهده اليوم في ربيع عام 2026 ليس مجرد إعادة تموضع عسكري أو خلاف تجاري عابر، بل هو إعلان رسمي عن نهاية «العصر الأطلسي» الذي هيمن على العالم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. لقد أثبتت أزمة جرينلاند وطموحات ترامب «القومية المتطرفة» أن أمريكا لم تعد ترى في حلفائها شركاء، بل «أصولاً» تجارية وعقود أداء خاضعة للمراجعة، وهو ما دفع أوروبا -مكرهةً- لتمزيق ثوب التبعية القديم بين قطب غربي يحتمي بالتكنولوجيا والمال السويسري، وقطب شرقي يبحث عن أمانه في معادلة «العصا والجزرة» الروسية بضمانات صينية، تخرج القارة العجوز من عباءة واشنطن لتدخل «عصر السيادة القاسية».
لقد كانت حرب إيران هي الاختبار الأخلاقي والسياسي الأخير، والنتيجة واضحة: أوروبا لن تكون بعد اليوم «ساحة خلفية» لأحد، بل هي حصون سيادية قررت أن تحدد مصالحها ببراغماتية باردة في عالم لم يعد يعترف إلا بالقوة والتحالفات المنتجة.
والسؤال الذي سيبقى معلقاً في أروقة البيت الأبيض: هل ربح ترامب «سيادة أمريكا» كما يدعي، أم أنه خسر القارة التي كانت الضامن الوحيد لتفوق بلاده العالمي؟