مهدي آل عثمان
في ظل المشهد الإقليمي المتقلب، وما يحيط بدول الخليج العربي من توترات متلاحقة، تبرز أهمية الاستعداد المسبق للتعامل مع تداعيات هذه الأزمات على مختلف القطاعات الحيوية، وفي مقدمتها قطاع الطاقة. ويأتي الحديث عن احتمالية تأثر إمدادات الطاقة في العالم، نتيجة أي اضطرابات في مضيق هرمز، ليضع الدول أمام تحديات تتطلب حلولاً عملية واستباقية، تحفظ الاستقرار الداخلي، وتضمن استمرارية الحياة اليومية دون انقطاع.
إن مضيق هرمز، بوصفه أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط في العالم، يمثل شرياناً حيوياً لإمدادات الطاقة في العالم، وأي تعطّل فيه لا يؤثر فقط على الأسواق الدولية، بل يمتد أثره إلى الاقتصادات المحلية، ويضع ضغوطاً إضافية على منظومات الطاقة الداخلية. ومن هنا، فإن التفكير في إدارة الطلب على الطاقة يصبح ضرورة ملحّة، وليس خياراً مؤجلاً، خاصة في أوقات الأزمات.
وأمام هذه التحديات الراهنة، تتجلى أهمية دراسة تبني سياسات ترشيد استهلاك الطاقة على الدول المعنية، أكثر مما كانت عليه، من خلال تعزيز الوعي المجتمعي، وتفعيل برامج الكفاءة، وإعادة النظر في بعض الأنماط التشغيلية التي يمكن تعديلها دون التأثير على جودة الخدمات المقدمة.
ويُعد قطاع التعليم أحد أبرز القطاعات التي يمكن أن تسهم بفاعلية في هذا التوجه، من خلال التحول المؤقت إلى التعليم عن بُعد خلال الفترات الحرجة.
لقد أثبتت التجارب السابقة، والتي نجحت المملكة العربية السعودية على سبيل المثال في إدارتها والتعامل معها، وعلى رأسها تجربة جائحة كورونا، أن التعليم عن بُعد ليس مجرد بديل طارئ، بل خيار استراتيجي قادر على ضمان استمرارية العملية التعليمية بكفاءة عالية. فقد تمكنت المؤسسات التعليمية من توظيف التقنيات الرقمية، ومنصات التعلم الإلكتروني، لتقديم محتوى تعليمي متكامل، دون الحاجة إلى الحضور الفعلي في المباني المدرسية.
وفي سياق هذه التطورات، نجد أن استمرار التعليم الحضوري في مثل هذه الظروف يستهلك كميات كبيرة من الطاقة، وخاصة مع بدايات تغير الطقس، سواء من خلال تشغيل المباني المدرسية من تكييف وإنارة وأجهزة، أو من خلال وسائل النقل اليومية للطلاب والمعلمين. وفي المقابل، فإن التحول إلى التعليم عن بُعد يسهم في تقليل هذا الاستهلاك بشكل ملحوظ، ويخفف الضغط على شبكات الطاقة، ويمنح الجهات المعنية في دول الخليج العربي مساحة أكبر لإدارة الموارد بكفاءة.
ولا يقتصر أثر هذا التحول على الجانب الحكومي فحسب، بل يمتد إلى الأسر، حيث يقل استهلاك الوقود المستخدم في التنقل اليومي لنقل أبنائهم من وإلى المدارس والجامعات، وينخفض الاستهلاك المرتبط بالنقل، بما يسهم في ترشيد الطلب المحلي على الطاقة، ويعزز قدرة المملكة على الوفاء بالتزاماتها بوصفها دولة مصدّرة للطاقة.
ومن هنا، يمكن النظر إلى قرار تحويل الدراسة عن بُعد للفترة المتبقية من الفصل الدراسي الثاني، بوصفه إجراءً احترازياً مدروساً، ينسجم مع توجهات ترشيد الطاقة، ويعكس وعياً استراتيجياً في إدارة الأزمات. وهو قرار لا يعني تعطيل الحياة التعليمية، بل إعادة تنظيمها بما يتلاءم مع الظروف الراهنة، ويحقق التوازن بين الاستمرارية والكفاءة.
ويؤكد هذا التوجه ما أثبتته وزارة التعليم بالمملكة في تجارب سابقة من نجاحها في ضمان استمرارية التعليم ووصوله إلى جميع أبناء المملكة بكفاءة عالية، مستفيدة من اتساع نطاق تغطية الشبكات الرقمية، وتوافر التقنيات الحديثة في أيدي الطلاب، بما يعزز جاهزية البيئة التعليمية للتحول عند الحاجة. غير أن نجاح هذا التوجه يتطلب تكاملاً في الأدوار بين الجهات المعنية، من دور وزارات التعليم في دول مجلس التعاون في تقديم الدعم الفني والتقني المستمر بما يضمن استدامة العملية التعليمية بكفاءة. كما يبرز دور وزارات الطاقة في قيادة حملات التوعية بترشيد الاستهلاك، وتحفيز المجتمع على تبني سلوكيات أكثر كفاءة في استخدام الموارد.
وفي المقابل، يتحمل المجتمع، بأفراده ومؤسساته، مسؤولية التفاعل الإيجابي مع هذه الإجراءات، واستشعار أهمية المرحلة، حيث إن التحديات الكبرى لا تُواجه بالقرارات وحدها، بل بروح التعاون والتكافل، والالتزام الجماعي بما يخدم المصلحة العامة.
إن الأزمات، مهما بلغت حدتها، تظل فرصاً لإعادة التفكير، وتطوير الأنظمة، وتعزيز القدرة على التكيف. والتعليم عن بُعد، في هذا السياق، يمثل نموذجاً مرناً يمكن توظيفه ليس فقط في مواجهة الأزمات، بل كجزء من منظومة تعليمية حديثة، تتسم بالمرونة والكفاءة والاستدامة.
إن الحفاظ على استقرار منظومة الطاقة في دول مجلس التعاون، في ظل هذه الظروف الإقليمية المتغيرة، يتطلب رؤية استباقية، تستند إلى معطيات الواقع، وتستشرف المستقبل. ويأتي التعليم عن بُعد كأحد هذه الحلول العملية، التي تحقق أهدافاً متعددة، في مقدمتها ترشيد استهلاك الطاقة، ودعم الاقتصاد، وضمان استمرارية التعليم، بما يعكس قدرة هذه الدول والمجتمع على التكيف مع مختلف الظروف، وتحويل التحديات إلى فرص للنمو.