منصور بن صالح العُمري
ليست آيةً تُتلى فحسب... بل نداءٌ أخير يُودِّع به الوحيُ القلوبَ قبل أن يُودِّع الدنيا، كأنها الخاتمة التي تُلخِّص الطريق كلَّه: طريقٌ يبدأ من غفلةٍ، وينتهي برجعة... إلى الله.
هو يومٌ لا يُشبه الأيام،
يومٌ تُطوى فيه الصحف، وتُفضُّ فيه الخواتيم، وتنكشف فيه السرائر التي كانت تُدارى.
{يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ} (9) سورة الطارق.
فلا نسبٌ يُغني، ولا مالٌ يُبقي، ولا جاهٌ يرفع،
{يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ، إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} [الشعراء: 88-89].
كأنك تُدعى باسمك... وحدك، وتُساق بخطاك... وحدك،
وتقف بين يدي مولاك... وحدك،
{وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا} (95) سورة مريم.
هناك...
لا يُسأل المرء: ماذا كان يقول الناس عنك؟
بل: ماذا كنت تقول لربك؟
ولا: كم بلغت في دنياك؟
بل: بمَ خرجت من دنياك؟
{وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ} [الكهف: 49].
كتابٌ لا يُغادر صغيرةً ولا كبيرة،
حتى الهمسة التي ظننتها ذهبت... كُتبت،
والنظرة التي حسبتها خفيت... أُحصيت،
{وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا}[الكهف: 49].
ثم تتفرّق الوجوه...
وجوهٌ أشرقت بنور ما قدّمت،
{وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ، إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} [القيامة: 22-23]،
وأخرى أظلمت بثقل ما أخّرت،
{وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ، تَظُنُّ أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ} [القيامة: 24-25].
وهناك يُقال للفريقين:
{فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ، فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا} [الانشقاق: 7-8]،
{وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ، فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا} [الانشقاق: 10-11].
أيُّ مفترقٍ هذا؟
جنةٌ عرضها السماوات والأرض... أو نارٌ وقودها الناس والحجارة.
وهنا... تتجلى وصية الآية: {وَاتَّقُوا يَوْمًا}...
اتقوه قبل أن تروه، واستعدوا له قبل أن تُساقوا إليه،
واجعلوا بينكم وبينه وقايةً من عملٍ صالح، وخشيةٍ صادقة، وقلبٍ يقظ.
وقد لخّص النبي- صلى الله عليه وسلم- المشهد كلَّه في كلماتٍ تقطع غفلة القلب:
(اتَّقُوا النَّارَ ولو بشِقِّ تمرة).
فليست العبرة بكِبَر العمل، بل بصدق النجاة.
فيا من تقرأ...
إنك منذ خرجت إلى الدنيا، وأنت تسير إلى هذا اليوم،
كل نفسٍ يقربك، وكل لحظةٍ تدنيك،
{إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى} [العلق: 8].
فاختر لنفسك...
أيَّ رجعةٍ تريد؟
رجعةَ قلبٍ سليم، يلقى ربَّه وقد امتلأ به،
أم رجعةَ نفسٍ أثقلتها الدنيا، فثقلت يوم العرض؟
اللهم اجعل رجعتنا إليك رجعةَ آمنين،
لا خائفين،
وارزقنا قلبًا إذا رجع... عرف الطريق إليك قبل أن يصل إليك.