د. طلال الحربي
تشهد مدننا وقرى مملكتنا الغالية نهضةً عمرانيةً وتوسعاً إنشائياً متسارعاً لم تشهد له الخارطة السعودية مثيلاً في تاريخها الحديث، وهي نهضة لا تقرأ أرقامها فحسب، بل تلمسها بيديك حين تسير في شوارع مدينة تتجدد كل صباح. غير أن هذا التوسع المتدفق يفرض بالضرورة تحديات جسيمة على منظومة النقل والتنقل الداخلي، ولعل أبرز هذه التحديات وأكثرها تأثيراً في حياة الناس اليومية هو ضبط الحركة المرورية وتنظيمها بمستوى يليق بعاصمة تشق طريقها نحو مصافّ كبريات مدن العالم.
ومن هذا المنطلق تحديداً تبرز أهمية الإدارة العامة للمرور بوصفها المظلة الأمنية الشاملة التي تُعنى بكل ما يجري على طرقنا وشوارعنا، من أمان المواطن والمقيم والزائر، إلى سلامة الممتلكات، إلى تيسير حركة التنقل في أوقات الذروة وما سواها. وما يعزِّز أهمية هذه الإدارة أن عملها يجري وفق رؤية واضحة وتوجيهات حازمة يرسمها سمو وزير الداخلية الأمير عبدالعزيز بن سعود بن نايف، الذي أولى قطاع المرور اهتماماً استثنائياً انعكس جلياً في ارتقاء مستوى الخدمة وتطور آليات الضبط والرقابة، فيما تُجسّد متابعة معالي مدير الأمن العام هذه التوجيهات على أرض الواقع بصورة يومية لا تتوقف.
وفي قلب هذه المنظومة يقف مدير عام المرور الذي يُشرف على أداء المرور في جميع مناطق المملكة من شمالها إلى جنوبها، ويضمن تناسق العمل المروري وتوحيد معاييره عبر مساحة جغرافية شاسعة تتباين طبيعتها وتتنوع تحدياتها. فالضبط المروري في مدن فيها ملايين الزوار للحرمين يختلف عن متطلباته في مدن تشهد الكثير من المعارض والمؤتمرات والفعاليات، وما يصلح في المدن الصغيرة قد لا يكفي أمام تعقيدات المدن الكبرى، ومع ذلك تعمل إدارة المرور بمركزية القرار وميدانية التنفيذ في آنٍ معاً، وهذا التوازن الدقيق لا يتحقق إلا بقيادة واعية تمتلك الرؤية والخبرة معاً.
أما إن انتقلنا إلى الرياض تحديداً، فالحديث يأخذ منحىً مختلفاً في حجمه وعمقه، إذ تُمثّل العاصمة حالةً مرورية استثنائية بامتياز؛ مدينة تضم الملايين وتستقبل آلاف الوافدين يومياً، وتعيش حالة إنشائية متواصلة مع مشاريع عملاقة، فضلاً عن الجسور والمحاور والطرق التي تُعاد رسم ملامحها بلا انقطاع. في هذه البيئة بالغة التعقيد، يحتاج العمل المروري إلى حرفية من نوع خاص، وهو ما يُجسّده سعادة مدير مرور الرياض وكوادره المتخصصة الذين يُديرون هذا الملف الشائك بكفاءة لافتة واحترافية تعكس عمق التدريب وصدق الانتماء. فحين تمر بالمحاور الكبرى وتُشاهد رجال المرور منتشرين في كل تقاطع وزاوية وحي، يعملون بهدوء ودون توقف وسط ضغط لا يهدأ، يستحيل أن تُمسك قلمك دون أن تكتب كلمة إعجاب وإجلال لهؤلاء الرجال.
والذي يُميّز مرور الرياض أنه لا يكتفي بالتواجد الميداني، بل يُعلي من شأن العمل الاستباقي عبر حملات منظمة ودورية تجمع بين التوعية والإرشاد في مرحلة أولى، ثم التطبيق الصارم للأنظمة في مرحلة تالية دون تساهل أو محاباة. وقد أضافت متطلبات المرحلة الاستثنائية أعباءً فوق الأعباء الاعتيادية، فأدّاها رجال المرور بروح الجندي الذي لا يعرف التذمر ولا يعرف التراجع، تماماً كما أدّاها إخوانهم في الصحة والبلديات والجهات الرقابية كافة.
وحين أقول «جنود» فلن أتجاوز هذه الكلمة دون أن أُفرد لها تحية خاصة لمن يستحقها ؛ جنودنا المرابطون على حدود هذا الوطن، و أبطال الدفاع الجوي الذين يكتبون بأرواحهم حكاية الوفاء والفداء.
وختاماً، فإن المسؤولية لا تقع على رجال المرور وحدهم، بل هي مسؤولية مشتركة تبدأ من كل واحد منا حين يقود مركبته ويحترم الإشارة ويلتزم بالنظام، ويتواصل مع إدارة المرور حين يواجه إشكالاً، ويتعاون لا يعوق. فأبواب هذه الإدارة مفتوحة وقنوات التواصل معها ميسورة، ولن تجد فيها إلا الترحيب والمساعدة، وهذا هو النهج الذي تربى عليه رجال هذا الوطن في ظل قيادة خادم الحرمين الشريفين وسيدي ولي عهده الأمين، ماضين نحو مستقبل يستحقه وطن عظيم.