ناصر زيدان التميمي
بينما يتركز اهتمام الرأي العام العالمي على بؤر الصراع المشتعلة من الشرق الأوسط إلى أمريكا اللاتينية، تشير القراءة العميقة للمشهد الجيوسياسي إلى أن هذه الحروب ليست مجرد نزاعات حدودية أو أيديولوجية، بل هي «جبهات ثانوية» في استراتيجية دولية كبرى.
الهدف الحقيقي خلف هذه التحركات قد لا يكون العواصم التي تسقط فيها القذائف، بل هو بكين، وتحديداً «المحرك الاقتصادي» الصيني الذي يقترب من إزاحة الهيمنة الأمريكية بحلول عام 2030.
تستند هذه الرؤية إلى نظرية «صدام القوى العظمى»، حيث تسعى القوة القائمة لتعطيل صعود المنافس قبل فوات الأوان. وبالنظر إلى نقاط ضعف التنين الصيني، نجد أن «الطاقة» هي العصب الأكثر حساسية؛ فالصين تستورد نحو 73 % من احتياجاتها النفطية.
ومن هنا، يمكن فهم التحركات الأمريكية تجاه فنزويلا وإيران كعملية «تجفيف منابع» ممنهجة؛ فخسارة هذين الموردين تعني حرمان بكين من ملايين البراميل يومياً، مما يضعف قدرتها الإنتاجية دون الحاجة لمواجهة عسكرية مباشرة.
علاوة على ذلك، فإن ضرب الاستقرار في مناطق مثل إيران لا يستهدف النظام السياسي فحسب، بل يضرب في الصميم مشروع «حزام واحد.. طريق واحد». إيران تمثل عقدة وصل حيوية في طريق الحرير الحديث نحو أوروبا، وتعطيل هذا المسار يعيد خلط الأوراق التجارية العالمية، ويجبر القارة الأوروبية على إعادة التموضع تحت المظلة الأمريكية بعد سنوات من التقارب الاقتصادي مع بكين.
إن ما نشهده اليوم من صراعات متفرقة قد يبدو في الظاهر كأزمات منفصلة، لكنه في الجوهر يمثل استراتيجية موحدة لإضعاف الخصم طاقياً واقتصادياً، وتمهيد الطريق للمواجهة الكبرى حول «تايوان»؛ مركز ثقل التكنولوجيا العالمية. في نهاية المطاف، قد يكون الدخان المتصاعد من جبهات المنطقة مجرد ستار لمباراة شطرنج كبرى، الخاسر فيها من ينفد وقوده أولاً، والهدف النهائي فيها هو حسم صراع السيادة على القرن الحادي والعشرين.