ما أروعَ القلم، حينما يُسطِّر عن المبادئ والقِيَم، وما أجملَ الكلمات حينما تَدُور حولَ البذْل والإحسان، ولكنْ أرْوعُ من ذلك وأجمل أنْ نَرى القِيَم رجالاً، والبذْلَ فِعَالاً.
لقد عاشَ حميدَ السِّيرة، نقيَ السَّريرة، قريباً من ربِّه، صدوقَ اللسان مع خَلْقه، لم تُعْرَفْ له صَبْوة، ولم تَتَغير أخلاقُه وتعاملاتُه، مع أنه تقلَّب في الدنيا مِن حال إلى حال، من عرفه عن قُرْب أَسِفَ على رحيله، فلقد ترك فينا أثراً غائراً...
وكانتْ في حَياتِك لي عِظَاتٌ
وأنتَ اليومَ أوْعَظُ مِنْكَ حَيَّاً
رحم الله الخال والعم الشيخ سعد بن محمد العجلان، ورفع درجته في المهديين، وجعله من وفد السَّبعين المكرَّمِين الذين يدخلون الجنة بلا حساب ولا عذاب.
رحَلَ رجلٌ عَرَفَنَا قبلَ أنْ نَعْرِفَه، وأحبَّنا قبل أنْ نُحبَّـه، عرفناه منذ أن عَقِلْنا وميَّـزنا، فعرفنا رجلاً مهيباً قريباً، حازماً حنوناً، حكيماً في الرأي، صلْباً مع الحق.
الحديث عن الشيخ سعد -رحمه الله- يبدأ ولا ينتهي، وتضيق العبارات عن البوح بالمشاعر، وليست هذه الكلمات للرفع من شأنه، فآثاره تتحدث عنه اليوم بما كان هو يُخفيه بالأمس.
استرجَعت كثيراً من الذكريات، فَلَاحتْ لي بعضُ الخصالِ والسِّمات، ليس لرجل بعيد، -بل هو بمثابة الوالد- عشت فترات طويلة معه في الحضر والسفر، أسوقها هنا ليُستفاد منها، فتراجم الرِّجال مدارسٌ للأجيال.
- أولى هذه السمات: برُّه بوالديه، وخاصة والدته (سارة السّنان رحمها الله)، حيث كان هو الابن الوحيد لها، فأحسن برَّها إحساناً كبيراً، ولازمها ملازمة شديدة، فكان لا يخرج عن طوعها أبداً، بل ترك كثيراً من أعماله وأسفاره ومصالحه من أجل قُرْبِهِ من والدته، لأُنْسها به، وهذا البرُّ يعرفه كثيرٌ من كبار السِّن من الأقارب، قال لي الوالد -رحمه الله- (وهو من أقربِ وألْصَقِ النَّاسِ به منذ الطفولة): برُّ خالك سعد بأمَّه شيء كبير، يَعِزُّ وجوده.
تحدثني الوالدة أن الشيخ سعد -رحمه الله- (وهو خالها): أنه انتقل من قريتنا (رغبة) وهو شاب للعمل في الرياض (كحال كثير من الرِّجال الذين تركوا ديارهم للعمل والاعتماد على النفس)، وكان يزور أُمَّه بين الحين والآخر، وحين بلغه مرضها ترك العمل من لحظته، وبحث عن سيارة توصله للقرية، وانتظر الساعات الطوال، حتى وفِّقَ برجل سيذهب للحجاز، وحين علم الرَّجل عن سبب سفره تعاطف معه، وأخبره أنه سيقربه من قريته، لأنها ليست في طريقه، فأنزله في قرية البرَّه، (تبعد عن رغبة ثلاثين كيلا تقريباً)، ثم قطع الشيخ سعد -رحمه الله- هذه المسافة في الليل، في ليلة شاتيةٍ باردةٍ مشياً على الأقدام، حتى وصل لوالدته وجلس بقربها أشهراً عدَّة، حتى خفَّ مرضُها، تقول لنا الوالدة -حفظها الله-: كنت أقضي معهم غالب اليوم لخدمتها وأنا صغيرة، فكنت أسمعها في الليل والنهار لا ينقطع لسانها من الدعاء لولدها البار. (هذا مثال واحد من نماذج كثيرة يضيق المقام عن سردها).
كثيراً ما كان الشيخ سعد يَحثُّ في مجالسه على البر بالوالدين، وأن الخير والتوفيق هو في البرِّ بهما، وكان إذا رأى رجلا ًباراً بوالدته أو يخدمها أوقفه، وحادثه، ودعا له، حتى ولو لم يكن يعرفه، وكان -رحمه الله- يتأثر كثيراً إذا سمع موعظة أو خطبة عن البرِّ بالأمِّ أو الأب، وقد شاهدت هذا عدة مرات منه.
ومن أبرز سماته: تعظيمه لحقِّ الله، ولشأن الصلاة.
فهو شاب نشأ في طاعة الله، وكان للصلاة شأن عظيم في شخصيته، بل كانت مواعيده واجتماعاته وزياراته مرتبةً وفْقَ مواقيت الصلاة، يقطعها إذا قرب وقت الصلاة، ويضع الوقت الاحتياطي حتى لا يتأخر عنها، والغالب أنه يدخل للمسجد قبل الأذان أو مع الأذان، وقد تجاورنا في عدة أحياء، وسافرنا عدَّة مرَّات، فما رأيته في حياتي يقضي ركعةً من صلاته، وكان حِرْصُه على النَّافلة القَبْليَّة والبَعْدية قريباً من حرصه على الفريضة.
هذا الرجل الذي عرف قيمة الصلاة في قلبه، ربَّى أولاده، وأوصى أقاربه على قيمة عمود الإسلام، وكان يشجعنا ونحن صغار إذا رآنا في المسجد، وإذا تخلف أحد أبنائه عن الصلاة فهذا خطأ لا يُغْتفر، ويُرى هذا في معاتبته الشَّديدة لهم، وفي تَغيُّر مزاجه عليهم.
ومن أبرز سماته: الأمانة في التجارة، والتَّورع عن الشبهات، وهذه خصلة قلت كثيراً مع طنين الطمع، واللهث وراء رنين الكسب، ومن عامل الشيخ سعد -رحمه الله- بالمال عرف هذا منه، وشهد له به.
لقد آمن الشيخ سعد -رحمه الله- أن التجارة مبدأ، وأن الكلمة أمانة، فكان شديدَ الحرصِ على مالِ مَنْ يُشارِكُه، أو يَدخل معه في حصَّته، كحرصه على ماله.
كان يؤدي حقوقهم كاملةً بلا وكس، وكانت كلمته كالسيف في التجارة، لا يتراجع عن بيع ولا شراء، قال لي مرة: (يا ولدي تركتُ عشرات الملايين من الربح حتى لا أتراجع عن البيع، لأن البيع نيَّة، فإذا أعطيتَ النَّاسَ نيَّتُك فلا ترجع عنها)، ومن أمانته وصدقه أنَّ عدداً من الأقارب والأصدقاء يدخلون معه في التجارة، بلا وَرَقٍ بينهم لشدة ثقتهم به.
ومن ورعه في تجارته أنه اشترى أرضاً تجارية في الرياض في موقع مميز لأحد كبار العقاريين، وقال له ذلك المشتري: أنا بدفع عربونا للأرض وأنت شريكي فيها إلى يوم الإفراغ، إن شئت بالنصف أو الربع، ثم حصل مكسب فيها بأكثر من 50 % قبل الإفراغ، فرفض الدخول معه -مع قدرته على ذلك-، فهو يرى أن الارتفاع في السعر حصل بعد الشراء بالعربون الذي لم يدفع فيه شي، وترك العقار كله لذلك التاجر الصديق.
هذا الصدق وتلك الأمانة نحسبها - ولا نزكي على الله أحداً - أنَّ دافعها تعبدي في المقام الأول، فهو يرى أن السعي في كسب الحلال، والصدق معها، والنزاهة عن الشُّبه فيها عبادة لله، وهذه خصلة ثمينة من أخلاق الرجال، ومن فضل الله تعالى أن مثل هذه المبادئ الراسخة عنده أهَّلته بأن يكون موفَّقاً في تجارته، وأن يَرى البركة في بيعه وشرائه.
ومن ملامح شخصيته: بذْلُه للخير في كلِّ الوجوه: بالمال والشفاعة والإصلاح، وكان كثيراً ما يشجع على هذا، ويردِّدُ قولَ الحقِّ سبحانه: {لا خَيْرَ في كثيرٍ مِنْ نَجْواهم إلا مَنْ أَمَرَ بصدقةٍ أو مَعروفٍ أو إصلاحٍ بين النَّاس ومَن يفعلْ ذلك ابتغاءَ مرضاتِ اللهِ فسوفَ نؤْتِيه أجراً عظيماً}، واذكر قديماً أني سعيت في إصلاحٍ بين اثنينِ من الأقارب في قضية عابرة، فاثنى وشجع ودعا، وأوصاني على الإصلاح حتى ولو لقيتُ أذى، فالأجر عند الله مُدَّخر.
كان الشيخ سعد -رحمه الله- لا يتوانى عن نفع الناس بجاهه، وإذا عرف مسئولاً أوصاه بنفع الآخرين، بل يشفع عنده في بعض الأَحَايين، لا يريد إلا إيصال النفع لمن يستحق، وقد أخذني مرَّةً معه في إحدى هذه الشفاعات.
أما بذلُه المالَ للقريب والبعيد فهذا شيء معروف عنه، وكثير من أبناء الأسرة يعرف هذا ولمسَه منه، وقد رأيت منه في بعض الأسفار صوراً من إخفاء الصدقة. ولا أنسى رجلاً صالحاً من أهل اليمن من ذوي الفاقة، كان يصلي معنا في المسجد لسنوات طويلة، وكان الشيخ سعد -رحمه الله- يُقدِّره لصلاحه ويساعده بما يشاء الله له، وأعطاه مرة مشلحه، فكان من فرحه به أنه يصلي به معنا في كل جمعة، ثم مرض هذا الرجل وانقطعت أخباره، فجاءت ابنته بعدها للمسجد، وقالت للخال سعد -رحمه الله -: إن والدي توفي، وأوصاني أن آتيك، فتأثر، ولم تنقطع مساعدته عن أسرتهم بعدها إلى اليوم.
ومن خصاله الجميلة: محبته للآخرين، وحميته للقرابة، فقد يحمل بين جنبيه نفساً سمحة، محبة للخير للغير، ليس للحقد والحسد مكان في قلبه، يفرح إذا رُزق أحدهم بمولود، أو ناله حظَّاً من أمور الدنيا، وقد قالي الوالد مرَّة -: إن خالك سعد طيب القلب، قلبه أبيض. (وهذا شهدتُه ويَشهد به من عرفه عن قُرْب).
ومن محبته للخير أن كان يحب أن يشاركه معه الجميع في الكسب، فإذا وفق على اقتناص فرصة تجارية عرضها على من يحبهم، فكان يحب الخير لغيره كما يحبها لنفسه.
ومن حبه للخير سماحته في البيع مع النَّاس، فإذا طَلَبَ منه المشتري مهلةً وافق مباشرة، وأتذكر أنه أعطى أحد المشترين في شمال الرياض عدة أشهر مهلة لسداد المبلغ الذي لم يتوافر عنده حينها، وكان -رحمه الله- يفرح كثيراً إذا بلغه أن المشتري ربح في شرائه بعد ذلك، وباع عدَّة مرات عقارات كسب فيها المشتري قبل أن يُسددَ له قيمتها، ولم يحسدْهُم على رزقهم ولم يزاحمهم فيه.
وقبل سنوات طويلة سعيت في موضوع شراء مسكن لاثنين من الأقارب، رغبا أن أكلم الشيخ سعد -رحمه الله-، وطلبا أن نكلمه ليتكفل بدفع نصف القيمة، ووافق منذ فاتحته بالموضوع، ثم سألني بعد أسبوع عنهم، فقلت: ما تيسر لهم إلا نصف المبلغ، فدفع بعدها كامل المبلغ لهم.
ومن سماته الجليلة: حسن الوفاء، وهذه من أسخى شمائل النفوس، ومؤشر على صدق المودة، فكان -رحمه الله- كثير الزيارة لأصدقائه، يشاركهم في أفراحهم وأتراحهم، يجيب دعوتهم، ويتعاهدهم عند مرضهم، بل كان يتردُّد على بعضهم في حالة غيبوبته، ويكثر التواصل مع أبنائه للسؤال عنهم.
وقد حدثني مرَّة أحد رجال الأعمال، ووالده من رؤوس تجار العقار في زمنه ومن أصدقاء الشيخ سعد -رحمه الله- فقال: (إن العمَّ سعد حين علم بخطبتي للزواج، بارك لي، وطلب أن أقابله وأعطاني مبلغاً سخيَّاً معاونةً منه في الزواج)، مع أن هذا الرجل لم يكن بحاجة للمال، لكنه حسن الوفاء الذي يعرفه النبلاء.
هذه غَيضٌ مِن فَيضٍ، من خصال الوالد سعد -رحمه الله-، ما زدتُ شيئاً إلا لعلي زدتُ نقصاناً.
لقد رَبِحَ البيع للشيخ سعد -رحمه الله- بهذا الإرث الديني والأخلاقي والرجولي الذي خلَّفه لأبنائه وأحفاده ومحبيه، وكم تمنينا أن نعيشَ معه سنوات أكثر، ولكن كما قال الشاعر الهذلي أبو ذؤيب:
(فإذا المنيَّةُ أَقْلَبَتْ لا تُدْفَعُ)، وأصدقُ منه قولُ ربِّنا: {لكلِّ أَجَلٍ كِتَاب}.
رحمَ اللهُ روحاً غالية، لها في الوجدان منزلةً عالية، اللهم آنس وحشتَه، ونوِّر قبره، وافسح له فيه، واجعله روضة من رياض الجنة، واجمعنا به، ووالدي، وأعمامي، ومن نُحِبُّ في الفردوس الأعلى... ووداعاً يا أطيبَ من عَرَفْنَا.
** **
- د. إبراهيم بن صالح العجلان