السموأل محمد إبراهيم
لما غادرت الرياض، تلك المدينة المدهشة، رياض الخير التي لا تنسى، والتي ستظل محفورة في الذاكرة ما حييت، بما قدمت لي من فضل بعد فضل الله، كنت أعلم أنني مقبل على تجربة مختلفة... لكنني لم أكن أتصور أنني على موعد مع مدينة تأسر الروح قبل البصر. دخلت إلى البكيرية، مدينة الصحة والجمال، فإذا بها تفتح ذراعيها استقبالاً، وكأنها أم رؤوم تحتفي بعودة أحد أبنائها. وعلى مدخلها، ارتفعت شامخة منارة تعليمية باسقة هي جامعة سليمان الراجحي، كأن مؤسسها رجل البر والإحسان سليمان الراجحي أراد أن يبعث برسالة لكل قادم قائلاً: مرحباً بكم في مدينة العلم والعلماء، حيث يبدأ الطريق من المعرفة وينتهي به.
منذ اللحظة الأولى، شعرت أنني أمام مدينة تختلف عن سواها؛ هدوء جميل يلف أرجاءها، هواء نقي عليل، ومساحات خضراء تمتد كأنها بساط من الطمأنينة تريح النفس وتبعث فيها سكينة عجيبة. فقلت في نفسي: يا لها من مدينة اجتمعت فيها الخضرة والماء وبهاء الوجه الحسن، (في جمال يا ناس أكتر من كدا) جمال يفوق الوصف، ويستحق أن يروى.
أما أهلها فحديث آخر... للوهلة الأولى قد تظن فيهم صرامة، وربما شيئاً من الحزم والقسوة، لكنك ما إن تخالطهم حتى تكتشف أنك أمام قلوب من ألين ما يكون، وأرواح تنبض بالكرم والنبل. قوم جمعوا بين الدين والأخلاق، وبين الجد والاجتهاد، وما تلك الجدية والحزم إلا انعكاس لحرصهم على الإتقان، والتزامهم بأدق التفاصيل.
ولما قصدت مدارسها لأبنائي، شعرت بأنني أدخل إلى زمن مهيب... زمن يقدس العلم ويجل المعلم. مدارس تجمع بين الأصالة والحداثة في تناغم بديع. في ثانوية البكيرية الأولى، خُيل إلي أنني في صرحٍ جامعي عريق؛ هيبة المكان، ووقار الإدارة، وترحيب كريم يفيض أدباً واحتراماً. وفي متوسطة النعمان بن بشير، أحسست وكأنني في معهد علمي راسخ، حيث النظام والدقة والابتسامة الصادقة التي تبعث الطمأنينة في النفس، وفي متوسطة الهلالية بنات، نقلت إلي زوجتي ورفيقة دربي أم محمد، صورة تفيض إعجاباً وتقديراً؛ إذ حدثتني عن صرحٍ تعليمي تسكنه الجدية، وتظلله الأخلاق، وتنتظم فيه القيم كما تنتظم الدرر في عقد فريد. وصفت إدارة واعية تحسن القيادة، ومعلمات يجمعن بين الحزم والرقة، وبين الإخلاص والإتقان، حتى ليغدو المكان نموذجا يحتذى في الانضباط، ومحراباً تصان فيه رسالة التعليم بأسمى معانيها. حينها أيقنت أنني في مدينة صاغت من التعليم رسالة، ومن القيم منهجاً للحياة.
أما مساجدها، فتقف شامخة كأنها صفحات من التاريخ كتبت بالحجر والنور، تجمع بين عبق العمارة الإسلامية العتيقة وروح التجديد الحديث في تناغم يأسر الألباب. تتوشح جدرانها بنقوش بديعة وزخارف عريقة تحكي قصص الفن والإيمان، فيما تعانق مآذنها عنان السماء، ينساب منها الأذان عذبا فيملأ الأرجاء سكينة ووقارا. ومن بين هذه المعالم الروحية البارزة يبرز المسجد التحتي (مسجد البكيرية التاريخي) شاهدا على أصالة الماضي، ومسجد مقصورة الراجحي بطابعه المميز، والجامع الكبير بالبكيرية الذي يحتضن المصلين في رحابه الواسعة، إلى جانب جامع القبيسي وجامع الزهراء، التي تتآلف جميعها لتشكل لوحة إيمانية متكاملة، تنبض بالجمال والسكينة في قلب البكيرية..
أما شوارعها فحديثها تنظيم وجمال؛ هادئة، نظيفة، مرتبة، تدار حركة المرور فيها بانسيابية لافتة، وكأن كل دوار فيها يؤدي دوره بإيقاعٍ محكم، وتناغم بديع، لا يقل دقة وانضباطاً عن إشارات المرور بألوانها الثلاثة؛ الأحمرِ هيبة وتنظيماً، والأصفر تنبيهاً وتدرجاً، والأخضر انسياباً واطمئناناً، في مشهد حضاري يجسد روعة النظام وجمال الانسيابية. وعند مدخل المدينة، يطل مبنى محافظة البكيرية بطابعه المعماري الفخم، مرحبا بكل زائر، فيما يتوسطها معلم حضاري بارز هو فندق رمادا البكيرية، شاهداً على تطورها ونموها.
ولا يمكن الحديث عن البكيرية دون الوقوف عند معالمها التي تحكي تاريخها وتجسد حاضرها؛ من مقصورة السويلم، ذلك المعلم التاريخي الذي شهد أحداثاً واستقبل قادة، ومنهم الملك عبدالعزيز - رحمه الله -، إلى مقصورة الراجحي التي تمزج بين عبق الماضي وروح الاجتماع، مروراً بـ سور البكيرية الأثري الذي ظل شاهداً على تاريخ يتجاوز القرنين، وفي قلبها النابض بالحياة يبرز مركز الملك عبدالله الحضاري، ملتقى الفعاليات ومنبر الثقافة، فيما تمتد مساحات الجمال في حديقة المضمار ومنتزهات الغميس حيث الخضرة والهواء الطلق ومسارات الحياة الهادئة، وتكتمل اللوحة في مزرعة بصمة الريفية، التي تمزج بين الطبيعة والترفيه في تجربة فريدة.
أما في ميدان الصحة، فتشرق البكيرية بمنظومة طبية متكاملة، تتقدمها مستشفى البكيرية كصرحٍ حكوميٍ رائد، تبلغ سعته 300 سرير، ويعد نموذجاً يحتذى في جودة الرعاية الصحية. وقد توج هذا التميز بحصوله على المركز الأول على مستوى مستشفيات وزارة الصحة (فئة 300 سرير) في برنامج «وازن» عام 2020، تقديراً لما يقدمه من عناية فائقة بسلامة المرضى، وارتقاء ملحوظ بتجربة المراجع، وجودة متقنة في الخدمات الطبية. وإلى جانبه، تنتشر المراكز الصحية والمستوصفات الخاصة التي تسهم في تعزيز هذا المشهد المشرق، ومن أبرزها مجمع التداوي الطبي، ومجمع فهد العجاجي الطبي المتخصص في الجلدية والأسنان، حيث تتجلى المهنية العالية والرعاية الدقيقة.
ولا يكتمل هذا المشهد إلا بذلك المنهل العلمي العريق، جامعة سليمان الراجحي، التي تقف شامخة تمد البكيرية والمملكة، بكوكبة من الخريجين المتميزين في مجالي الطب والتمريض. أولئك الذين لم يكونوا مجرد حملة شهادات، بل سفراء إنسانية، يحملون العلم رسالة، والرحمة منهجاً، والكفاءة عنواناً. أطباء وممرضون صاغتهم الجامعة بعناية، فجمعوا بين عمق المعرفة ونبل الرسالة، ليكونوا في ميادين العمل نبراس أمل وشفاء. وإلى جانبهم، يبرز خريجو المختبرات الطبية، أولئك الجنود الخفيون الذين يعملون بصمت خلف الكواليس، يقرؤون في أدق التفاصيل أسرار الحياة والمرض، ويكشفون بخبرتهم خيوط التشخيص الأولى. هم عيون العلم الدقيقة، وسند الأطباء في رسم ملامح العلاج، يجمعون بين الدقة المتناهية والأمانة العلمية، ليكونوا ركيزة لا غنى عنها في منظومة الشفاء. وبهذا التكامل البديع، يغدو خريجو الجامعة جميعاً عنوان فخر يرفع اسم البكيرية عالياً في سماء التميز والعطاء.
وإذا اتسعت الرؤية، فإن جمال البكيرية ليس إلا جزءاً من جمال منطقة القصيم بأسرها، تلك المنطقة التي تتحدث إنجازاتها عن نفسها، والتي تقف خلفها قيادة واعية وجهود ملموسة، تتجلى بوضوح في متابعة ودعم صاحب السمو الملكي الأمير الدكتور فيصل بن مشعل بن سعود بن عبدالعزيز آل سعود، الذي أثمرت جهوده نهضة ترى بالعين وتلمس في كل زاوية.
البكيرية ليست مجرد مدينة... بل تجربة شعورية متكاملة؛ هي سكينة تعاش، وجمال يرى، وعلم يبنى، وإنسان يحتفى به. إنها مدينة إذا دخلتها أحببتها، وإذا عشت فيها تعلقت بها، وإذا غادرتها... تركت فيها جزءا من قلبك.
وكيف لا تكون البكيرية على هذا القدر من الجمال، وهذا المستوى من النظام، وتلك السجايا الرفيعة في أخلاق أهلها، وهي التي أنجبت رجالاً كانوا ولا يزالون منارات يهتدى بها، ومشاعل تضيء دروب العلم والعمل. فمن هذه الأرض الطيبة خرجت قامات شامخة، نذرت نفسها لخدمة الدين والوطن بإخلاصٍ وتفان؛ منهم فضيلة الشيخ الدكتور عبدالرحمن بن عبدالعزيز السديس، إمام وخطيب المسجد الحرام، وصاحب الصوت الذي تأنس به القلوب قبل الآذان، وفضيلة الشيخ الدكتور صالح بن محمد اللحيدان، أحد كبار العلماء، وفضيلة الشيخ الدكتور محمد بن ناصر الخزيم، الذي خدم بيت الله الحرام سنين طويلة، ومعالي الوزير السابق الأستاذ الدكتور علي بن إبراهيم النملة، الذي جمع بين الفكر والإدارة، وأسهم في مسيرة الثقافة الوطنية.
ولا ينسى في هذا المقام اسم رجل البر والإحسان، الشيخ سليمان بن عبدالعزيز الراجحي، الذي ضرب أروع الأمثلة في العطاء والبذل، ولا الشيخ عبدالرحمن بن إبراهيم الحديثي، ولا الشيخ محمد بن علي السويلم رحمه الله وغيرهم من وجوه طيبة كريمة، يعجز الحصر عن استيعابها، وتضيق الصفحات عن تعداد مآثرها. أولئك هم الغرس الطيب الذي أثمر، والنبع الصافي الذي فاض علماً وخلقاً، فكانوا انعكاساً صادقاً لبيئة نقية، وتربية أصيلة، ومجتمعٍ يقوم على القيم الراسخة. وإذا كان الأثر يدل على المسير، فإن ما نراه اليوم من جمال البكيرية ونظامها وسمو أخلاق أهلها، ليس إلا امتداداً طبيعياً لذلك الإرث العظيم.
وهكذا تبقى البكيرية... ليست مجرد مدينة تزار، بل مدرسة في القيم، ومنارة في العلم، ونموذج حي لوطن يبنى بسواعد أبنائه المخلصين، وتصاغ ملامحه بنور العلم ورفعة الأخلاق.