عبدالوهاب الفايز
ربما ساء البعض، ممن لديهم حسن البصيرة والحكمة والتدبر في مآلات الأمور، ماذا قيل عن موقف الامانة العامة لجامعة الدول العربية مؤخرا حول الاعتداء الايراني العدواني السافر على دول الخليج.
قدر البعض ان موقف الجامعة ضعيف ولا يوازي حجم الهجوم الاجرامي الايراني، وذهب بعض المتعجلين (مُنتج الظاهرة الصوتية) بعيدا الى: المطالبة بعدم دعم الجامعة، أو الانسحاب منها، أو تغيير مقرها، أو حتى تصفيتها كما يحدث مع الشركات المفلسة! نعم هكذا هي (ذهنيّة النسف) العربية التي مازلنا نعاني منها.
(المؤرخ الراحل هشام شرابي يرى ان حالة النسف من أسباب التخلف في المجتمعات العربية، أي هدم القائم والبناء من جديد!).
وهنا نقول وبعيدا عن الأمور العاطفية والمتسرعة، دعونا نقف بهدوء وموضوعية عند امر الجامعة. فهذا الكيان العربي، منذ تأسيسه عام 1945، ظل إطاراً إقليمياً أساسياً يسعى لتحقيق (الحد الأدنى) المطلوب من التعاون بين الدول العربية في مواجهة التحديات المشتركة.
ونقول الحد الأدنى لأننا نعرف أن هناك أمورا سيادية للدول، وهناك مصالح دولية ضاغطة على المنطقة، ولا ننسى أن لدينا قضية فلسطين المصيرية التي مازالت تشكل تحديا كبيراً للأمن والسلام والإجماع في المنطقة، وهي قضية مازالت مجالا مفتوحا للتدافع في المواقف والمشاعر.
وفي ضوء التطورات التاريخية والحالية، نرى أن وجود الجامعة - بما يتبعها من برامج وأنشطة - ليس رفاهية سياسية يمكن التخلي عنها، بل ضرورة استراتيجية لحفظ التوازن الإقليمي وتعزز المواقف العربية أمام المجتمع الدولي، ويدعم هذا الرأي مجموعة من الأدلة التاريخية والعملية، التي تبرز دور الجامعة في الحشد السياسي، وفي مقاومة محاولات التظليل الخارجية، ودورها في تفعيل العمل العربي المشترك في مجالات متعددة.
ودعم أهدافها الأساسية، لا يعني عدم العمل على إصلاح أوضاعها الداخلية لتجديد حيويتها. لذا، من الضروري الأخذ في الاعتبار دورها في عدد من الأمور الهامة مثل:
أولاً، أهمية الحشد السياسي وتعزيز المواقف العربية في المنظمات الدولية. هنا تُمثل الجامعة منبراً جماعياً يتيح للدول العربية تنسيق مواقفها وتقديمها بشكل موحد في المحافل الدولية. وهو أحد الأهداف الأساسية لأي منظمة إقليمية ناجحة. فقد أثبتت الأمثلة التاريخية قدرة الجامعة على تحويل قراراتها الإقليمية إلى قرارات دولية ملزمة عبر الأمم المتحدة.
ففي أزمة احتلال العراق للكويت عام 1990، أصدرت الجامعة قراراً موحداً بإدانة الاحتلال ودعوة الانسحاب الفوري، مما وفر غطاءً عربياً حاسماً أدى إلى تبني مجلس الأمن قرارات 660 و661 و678. كذلك، في الأزمة الليبية عام 2011، دعت الجامعة إلى فرض حظر طيران وحماية المدنيين، وهو ما أُشار إليه صراحة قرار مجلس الأمن 1973. وهذان المثالان - وهناك أمثلة أخرى - يؤكدان أن الجامعة تقوم بدور فاعل في الحشد السياسي، مما يعزز المواقف العربية ويمنحها شرعية إقليمية دولية، ويحمي المصالح المشتركة أمام التدخلات الخارجية.
ثانياً، دور الجامعة في مقاومة عمليات التضليل. الساحة العربية تتعرض لحملات تضليل إعلامي من قبل أعداء العروبة والإسلام، مستثمرين استمرار الخلافات وتضخيمها بين الدول العربية.
وفي هذا السياق، تستطيع الجامعة أن تلعب دوراً فاعلاً كآلية دفاعية جماعية، حيث توفر منصة للتشاور المشترك لكشف المعلومات المضللة، وتعزز الثقة المتبادلة لقليل فرص استغلال الانقسامات. وكذلك تعيد توجيه الجهود نحو الحلول الإقليمية بدلاً الاعتماد على وساطات خارجية قد تُفاقم المشكلات.
هذا الدور يُعد امتداداً طبيعياً لميثاق الجامعة، الذي ينص على تعزيز الروابط بين الدول الأعضاء وحماية استقلالها وسيادتها.
فالإعلام والتواصل الاجتماعي، لما له من دور بالغ في تشكيل وعي المجتمعات وتوجيهها، أصبح سلاحاً مؤثراً يُستخدم لصياغة العقول وصناعة القناعات، ولم يعد مجرّد وسيلة للترفيه أو نقل الأخبار، ومن يسيطر على الإعلام يملك القدرة على التحكم بوعي الناس، ومن يهيمن على وعيهم يستطيع توجيههم دون الحاجة إلى استخدام القوة العسكرية.
ومن هنا أصبح أحد أهم أدوات الحروب الحديثة، إذ بقدرته قلب الحقائق وتزييف الوقائع لصالح طرفٍ دون آخر. وهذا ما يتوجب أن يحظى بأولويات اهتمامات الجامعة العربية. وأن تعمل جاهدة بتعاون الدول الأعضاء على دحر الهجمات الإعلامية المغرضة التي تسعي لزرع بؤر الفتنة والبغضاء بين الشعوب العربية وتدمير جسور الروابط فيما بينها من خلال انهيار مؤسساتها الإقليمية. وموقف المملكة العربية السعودية تجاه الجامعة العربية راسخ بتقديم الدعم لها منذ إنشائها. فرؤية الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود رحمه الله للجامعة العربية تثبت بوضوح هذا الموقف السعودي.
فخلال زيارته التاريخية إلى مصر عام 1946، نقل الأديب والمفكر عباس محمود العقاد كلمات الملك حول الجامعة العربية بما يعكس بعد نظر استراتيجي. قال جلالته: «إنها منار لنا؛ لأنها تصدر في أعمالها عن بحوث مشتركة بين ذوي الرأي والبصيرة يرون في جملتهم ما لا يراه أهل كل بلد على انفراد، وإنها دريئة للدول العربية لأن حجة الدولة التي تحتج بقرار الجامعة قائمة، وعذرها فيما ترضاه أو تأباه مقبول».
هذا الوصف يُبرز الجامعة كبيت مشترك يجمع الحكمة الجماعية، وكدرع واقٍ يحمي المواقف العربية ويعزز حججها في المحافل الدولية، مما يؤكد أنها ليست مجرد هيئة إدارية، بل أداة حيوية للوحدة والتعاون. في ضوء ما تقدم، تُثبت الجامعة العربية أنها منظمة ضرورية لإيجاد الحد الأدنى من العمل العربي المشترك، سواء في الحشد السياسي الدولي أو مقاومة محاولات التضليل الخارجية التي تهدف إلى إدامة الانقسامات.
غيابها أو إضعافها لن يحل المشكلات، بل قد يُعمق الفراغ الإقليمي ويجعل الدول العربية أكثر عرضة للتأثيرات الخارجية. لذا، يُعد الدعم السياسي والدبلوماسي لأهدافها الأساسية - التنسيق والتضامن - خياراً أمثل، مع التركيز الجاد على إصلاح أوضاعها الداخلية، مثل تعزيز آليات اتخاذ القرار، وتفعيل التنفيذ، وتوسيع التعاون في المجالات الاقتصادية والثقافية.
تظل الجامعة منبراً ضرورياً لبناء فكر عربي مستنير يؤدي إلى تعزيز المحبة والتعاون والإجماع على وحدة المصير بين الشعوب العربية.
فمن خلال هذا المنبر، يمكن صياغة رؤية مشتركة تعبر عن الطموحات الجماعية، وتزرع في الأجيال الجديدة قيم التضامن والانتماء، مما يرسخ أسس تعاون مستدام يتجاوز التحديات الراهنة نحو مستقبل أكثر تماسكاً وازدهاراً للأمة العربية.
والاهم أن الجامعة هي المؤسسة الضرورية التي تعمل عبرها الدول العربية لحل المشاكل والتحديات الطارئة حتى يتم احتواء الخلافات الناشئة حتى لا تتحول إلى خصومة وقطيعة وقد تتطور لأمر نخشاه وهو: (الكراهية والعداوة) بين الشعوب العربية، وهذا يسعد الصهاينة وكل المعسكر الدولي الداعم لمشروع اضعاف وتقسيم الدول العربية.
الجامعة العربية كيان يجمع الدول الاعضاء المتساوية في الحقوق، وإذا نحن نتفق على عيب أو سوء في هذا الكيان، فالسبب الحقيقي مرده الدول الأعضاء التي لم تسع بجدية ومصداقية لتطوير هذا الكيان، وتزيل العراقيل التي تواجهه وتعيقه من أداء مهامه بالصورة المنشودة. ويصدق في هذا المقام قول الشاعر:
نَعيبُ زَمانَنا وَالعَيبُ فينا
وَما لِزَمانِنا عَيبٌ سِوانا
بقي توجّه التهنئة للأمين العام الجديد للجامعة الدبلوماسي المخضرم السفير نبيل فهمي، ونتطلع ان يأخذ الجامعة من «البيانات» إلى «الفعل»، ولعله في الظروف الحالية يعطي الأولوية لـ (الدبلوماسية الوقائية وإدارة الأزمات)، وتفعيل مجلس السلم والأمن العربي وتحويله من كيان شرفي إلى أداة فاعلة للوساطة المبكرة في النزاعات العربية البينية قبل تفاقمها وتدويلها، مع التركيز على التكامل الاقتصادي الملموس الذي يمس حياة المواطن، وتقديم خطاب عصري يستعيد ثقة الشباب العربي في هذا (البيت العربي)، ككيان فاعل وقادر على حماية الأمن القومي الجماعي.