لم يكن يوم الثامن من شوال عام 1447هـ يوماً عابراً، بل كان موعداً لخطب جلل ومصاب مؤلم، وقف معه الشَّعْر، ويَبُسَ اللسان، وهاجت فيه المشاعر، وانهالت بعده المدامع!
أحقاً ماتَ أبي؟!
ماتَ من كان وجودُه وحياتُه حَياة، وإرشادُه نَجَاة لنا.
ماتَ سورُ الأسرة وعمودُها، وأمانُها، واستقرارُها.
غابَ من كان لي ولإخوتي وأخواتي مُهْجَةَ الرُّوحِ، وقُرْة العين، ونُورَ الحياة، وشمعةَ المنزل.
ذهبَ من كان لناً سنداً إن مالت علينا الأيام، ومعيناً إن ابتسمتْ لنا الحياة.
رحل منبعُ المحبةِ والعطاء، وعنوانُ التضحيةِ والفداء، وأصلُ المحاكاةِ والاقتداء.
وإني بعد الفاجعة قد كتبتُ أبياتاً بمشاعري ومدامعي، قبل لساني وحروفي:
الحمدُ للهِ ما مرَّ الفؤادُ على
ذِكْراكَ إلا بِهِ الأَحْزَانُ تَشْتَعِلُ
يا سَعْدُ يا صَاحِبَ الأَفْضَالِ مَا بَرِحَتْ
أثارُكَ البِيْضُ في الأَرْواحِ تَكْتَمِلُ
كنتَ الكريمَ إذا ما ضاقَ مُحتاجٌ
أَعْطيتَهُ فَمَشَتْ بالمرْكَبِ السُّبُلُ
واللينُ فِيكَ، وَفِيْكَ البِشْر يَعْرِفُهُ
مَنْ جَاوَرُوكَ إذا حَلُّوا أو ارْتَحَلُوا
يا حازِمَ الرَّأيِّ فيكَ الحِلْمُ مُتَّزِنٌ
تَمْشي وَتَحتَ يَديكَ العَدْلُ يَحْتَفِلُ
أَوْصَيْتَ حِرْصَاً وَمِنْ حُبٍّ لِجَدَّتِنَا
وَخِفْتَ أنْ تَهْتَدي في دَرْبِها العِلَلُ
ما كنتَ يوماً تُرى إلا وتَذْكُرُها
كأنَّها الرُّوحُ بل في قُرْبِها الأَمَلُ
وبِرُّ أُمِّك فَصْلٌ مِنْ مَفَاخِرِنا
مَقام عِزٍّ إذا قُمْنا به جَلَلُ
تَرْقَى بهِ عنْدَ ربٍّ لا يُضِيِّعُ ما
يَسْعى له العَبْدُ حتى يَحْسُنَ العَمَلُ
ربَّيْتَنا أنْ نُصَافيَ الحقَّ مُعْتَصِمَاً
لا نَنْثَنِي بِلِبَاسِ الصِّدْقِ نَشْتَمِلُ
وأنْ نقولَ كلامَ الحقِّ لا نَخْشَى
في اللهِ لَوماً ولا يَنْتابُنا خَجَلُ
كمْ مِنْ يدٍ لك َبالمعروفِ سابقةٍ
وكمْ مِنْ فقيرٍ لكمْ يَدْعو وَيَبْتَهِلُ
نَمْ يا كريمُ قَرِيرَ العينِ إنْ لنا
صبراً سَيبقى وللأحزانِ نَحْتَمِلُ
وإنني ابْنَتُك الغرَّاءُ ما نَسِيَتْ
تَمشي بِدَرْبِكَ والأَمْجَادُ تَتَّصل
أسْقِي وصاياكَ في قَلْبِي وأزْرَعُها
وأسألُ اللهَ يَهْدِيْنِي وأتَّكِلُ
إنْ غِبْتَ عَنَّي فإنَّ الفخْرَ يَسْكَنُنِي
بأنَّني نَسْلُ شَيخٍ ما له مَثَلُ
أَمْضِي وفي اسَمْي دعاءٌ مِنْكَ يَحْرسُنِي
كأنَّ رُوْحَكَ حَوْلي حينَ أنْتَقِلُ
يا ربِّ فأرْفَعْهُ في أَعْلى مَرَاتِبِه
واجْعَلْهُ في جَنَّةٍ ما حَلَّها خَلَلُ
واغفرْ لهُ واجْعَلِ القرآنَ مُؤْنِسَهُ
في منزلٍ قَبْلَهُ الأَحْبَابُ قدْ نَزَلُوا
وأجمعه يا ربِّ معَ مَنْ كانَ يُؤْنِسُه
مَعَ «صالحٍ» حيثُ النَعِيْمٍ ليسَ يَنْفَصِلُ
نُورُ العُيونِ رَفِيْقُ الدَّرْبِ في زَمَنٍ
تَبْقَى بهِ الصُّحْبَةُ الصِّدْقُ الذي يَصِلُ
واجْمَعْنا يا ربَّ في نَعِيْمٍ لا فِرَاقَ له
حيثُ اللقاءُ سُرورٌ خالِدٌ لا يَتَبدَّلُ
** **
- مشاعل بنت سعد بن محمد العجلان