في خطوة تجسد النضج التنظيمي الذي يشهده القطاع العقاري في دولتنا الرشيدة، في خطوة لا تمثل مجرد إجراء مالي أو ضريبي، بل هي حجر زاوية في فلسفة اقتصادية جديدة تهدف إلى تحويل «العقار المعطل» إلى «أصل منتج»، وكسر حلقة الركود التشغيلي في بعض النطاقات العمرانية الحيوية، حيثُ طرحت وزارة البلديات والإسكان عبر منصة «استطلاع» مسودة اللائحة التنفيذية لرسوم «العقارات الشاغرة»، وهو ما يُبرهن على التزام الدولة بالشفافية التشاركية؛ ركيزتها الأولى المواطن، وأن يُصبح المواطن والمستثمر شريكاً في صياغة القرار قبل إقراره، مما يضمن خروج تشريعات مرنة، واقعية، وقابلة للتطبيق النوعي.
وتأتي هذه اللائحة امتداداً للتوجيهات الكريمة من حكومة خادم الحرمين الشريفين وسمو ولي عهده الأمين -حفظهما الله-، كهندسة تشريعية لمستقبل واعد، واضعة «تنظيم السوق» على رأس الأولويات لتحقيق مستهدفات رؤية المملكة 2030، وبالتالي تجاوز دور الوزارة اليوم مفاهيم «الإشغال السكني» التقليدية إلى آفاق «التنظيم الهيكلي» للسوق؛ وسعيها الحثيث عبر هذا التشاور العام إلى رصد مرئيات القطاع الخاص والمهتمين، لضمان أن تكون الرسوم أداة تحفيزية لنمو الاقتصاد، وليست مجرد عبء مالي، مما يعزز من جودة المخرجات التنظيمية النهائية.
وتحفيزًا للاستثمار وضبط بوصلة الأسعار، تستهدف اللائحة بشكل مباشر معالجة ظاهرة «الهدر العقاري»، أي أن ترك المباني الجاهزة شاغرة دون استثمار أو تأجير يؤدي إلى نقص المعروض وزيادة غير مبررة في الأسعار، وبالتالي فإن الأهداف الجوهرية للائحة تُكمن في ثلاثة أدوار هُم:
تحفيز الملاك: عبر دفعهم نحو تشغيل عقاراتهم أو طرحها في السوق للاستثمار، مما يرفع كفاءة استخدام الأصول داخل النطاقات العمرانية.
التوازن السعري: من خلال زيادة المعروض العقاري (السكني والتجاري)، مما يسهم في استقرار السوق والحد من الممارسات الاحتكارية.
تنشيط الدورة الاقتصادية: عبر تحويل العقارات الساكنة إلى وحدات منتجة للدخل، مما يولد فرص عمل ويدعم قطاع الخدمات المساندة.
ومن التشريع إلى الامتثال تتكامل الأدوار، فالمسودة حددت بوضوح ملامح المسؤولية؛ فالمسؤولية تضامنية بين عدة أطراف: البلديات والجهات التنظيمية التي تتولى تحديد النطاقات الجغرافية المستهدفة بناءً على مؤشرات السوق ومعدلات الشغور، مع رقابة دقيقة لآليات الإفصاح والتحقق، ثُم الملاك والمستثمرون ودورهم في الامتثال للضوابط، مما يضمن عدالة التطبيق، وأخيراً المطورون العقاريون، مما يكون له الأثر الاستراتيجي ألا وهو جودة الحياة وجذب رؤوس الأموال عبر تقليل المساحات المهجورة داخل المدن، والتي قد تشكل عوائق بصرية أو أمنية، كذلك فإن توفر «بيانات دقيقة» و»تشريعات واضحة» حول الشغور العقاري يعد عامل جذب قوياً لـ رؤوس الأموال الأجنبية؛ فالمستثمر الدولي يبحث عن سوق يتسم بالشفافية والتدفق المستمر للأصول، وهو ما تضمنه هذه السياسات.
نحن لا ننظم العقارات فحسب، بل نبني مدناً حية تنبض بالحركة والاستثمار، لذلك فإن صوت المستثمر والمواطن هو البوصلة التي ستضمن لهذا القطاع أن يظل المحرك الأقوى للاقتصاد الوطني غير النفطي.
** **
- عمار الزغيبى