السموأل محمد إبراهيم
في قلب العاصمة الرياض، حيث تتعانق ذاكرة المكان مع وهج الحاضر، وتنساب الأصالة في شرايين الحداثة في تناغم بديع، أشرق مهرجان الفنون التقليدية كحدث ثقافي استثنائي يتجاوز حدود الزمان والمناسبة، ليغدو لوحة حية تنبض بالإبداع، ومشهداً جمالياً تتجلَّى فيه روح الإنسان في أبهى صورها. وعلى امتداد أيامه، من السادس والعشرين من مارس حتى الثامن من أبريل 2026، احتضنت ميادين الدرعية هذا العرس الثقافي، فغدت فضاء رحباً تتلاقى فيه الفنون، وتتعانق فيه الكلمة مع الحركة، في تجسيد رفيع للفن بوصفه اللغة الأصدق للإنسان، والجسر الأعمق الذي يصل بين الوجدان ومرافئ الجمال.
ولم يكن لهذا التألق أن يتشكَّل بهذه الصورة الباهرة لولا الجهود الرائدة لوزارة الثقافة، التي تمضي برؤية طموحة تستلهم عمق الموروث وتستشرف آفاق المستقبل، جاعلة من الثقافة ركيزة أصيلة في مسيرة التنمية الحضارية للمملكة. فقد أولت الوزارة عناية استثنائية بالفنون، إحياء وتطويراً وتمكيناً، حتى غدت هذه الفعاليات شاهداً حياً على وعي ثقافي متقدم، وإرادة وطنية تؤمن بأن الفن ليس ترفاً عابراً، بل قيمة عليا تُصاغ بها هوية الأمم، وتُبنى بها جسور التواصل الإنساني الرفيع.
لم يكن هذا المهرجان حدثاً تقليدياً يستهلك في أيامه المحدودة، بل كان احتفاء ممتداً بالإبداع، تجلَّت فيه الفنون في أبهى صورها، حيث تعانقت الحركة مع الكلمة، وتمازج الصوت مع الإحساس، في مشهد ثقافي يليق بمكانة المملكة العربية السعودية بوصفها حاضنة للفنون وراعية للثقافة. هنا، لم يكن الزائر مجرد متلقٍ، بل شريكاً في التجربة، يعيش تفاصيلها بكل حواسه، ويتنقَّل بين عوالم المسرح، وأنغام الموسيقى، وإيقاعات الرقص، ودفء الشعر، وكأنه يسير في متحف حي تتنفس جدرانه إبداعاً.
لقد استطاعت الرياض، بهذا المهرجان، أن تقدم نموذجاً متكاملاً للحدث الثقافي الذي لا يكتفي بالعرض، بل يفتح آفاقاً جديدة للتأمل والتذوق، ويعيد صياغة العلاقة بين الإنسان والفن. فكل زاوية في المهرجان كانت تنبض بحكاية، وكل عرض كان يحمل رسالة، وكل أداء كان يعكس عمق الهوية وثراء الموروث، في انسجام بديع يجسد روح الإنسان في أصفى تجلياتها.
غير أن الأثر الحقيقي لهذا المهرجان لا يقف عند حدوده الزمنية، بل يمتد ليشكل بداية لمسار ثقافي متجدد، إذ تواصل هيئة المسرح وهيئة الأدب جهودهما عبر برامج وتفعيلات نوعية على مدار العام، تفتح المجال أمام المواهب، وتمنحها منصات للتعبير والتطور، وتسلط الضوء على الفنون الأدائية بوصفها ركيزة من ركائز النهضة الثقافية الشاملة التي تشهدها المملكة.
وإذا كان الفن مرآة الأمم، فإن ما شهدته الرياض في هذا المهرجان يعكس بوضوح رؤية قيادة حكيمة آمنت بأن الثقافة ليست ترفا، بل ضرورة حضارية، وأن الاستثمار في الإنسان يبدأ من رعاية حسه الجمالي، وتنمية وعيه، وإتاحة المساحات له ليحلم ويبدع ويعبر. لقد أولت المملكة، بقيادة رشيدة وطموح لا يعرف الحدود، اهتماماً بالغاً بالقطاع الثقافي، فجعلت منه أحد أعمدة رؤيتها المستقبلية، وأحد أبرز ملامح تحولها الحضاري.
إن مهرجان الفنون التقليدية في الرياض لم يكن مجرد مناسبة، بل كان إعلاناً متجدداً بأن هذه الأرض قادرة على أن تكون منارة للفن، وملتقى للإبداع، وموطناً لكل فكرة جميلة تبحث عن فضاء رحب. هو رحلة تبدأ ولا تنتهي، تستمر في الذاكرة كما تستمر في الواقع، وتؤكد أن الفن، حين يجد من يحتضنه، يصبح لغة خالدة تتجاوز الزمن والمكان.
وهكذا تنقضي أيام المهرجان في ظاهرها، غير أن أثرها لا ينقضي، بل يتوارى في الوجدان ليغدو حضوراً دائماً لا يبهت. كأنها قصيدة أُرجئ ختامها عمداً، لتظل مفتوحة على احتمالات الجمال، وممتدة في أفق الإبداع الذي لا تحده نهاية. وكأنها وعد يتجدد في كل حين، بأن الفن سيبقى حياً، نابضاً، ما دامت هناك قيادة تستشرف قيمته، ووطن يحتضن رسالته، وإنسان يدرك أن الجمال ليس ترفا عابرا، بل جوهر يُصاغ به المعنى، وتُبنى به الحضارة، وتسمو به الروح.