وائل العتيبي - الرياض:
في مشهدٍ يعانق الماضي ويستشرف المستقبل، يواصل مركز سرد الثقافي جهوده لإحياء الفنون الوطنية، عبر إطلاق دورات تدريبية متخصصة في العرضة السعودية، أحد أبرز رموز الهوية الثقافية في المملكة، في مبادرة تجمع بين التوثيق والتعليم والتجربة الحية.
تُعد العرضة السعودية فنًا أدائيًا ضاربًا في عمق التاريخ، نشأ في منطقة نجد تحت اسم «العرضة النجدية»، وارتبط في بداياته بأجواء الحروب والمعارك، حيث كان يُؤدّى قبل المواجهات وأثنائها لبث الحماسة في النفوس. ومع توحيد المملكة، تطوّر هذا الفن ليصبح رمزًا وطنيًا يُؤدّى في المناسبات الرسمية والأعياد والاحتفالات، محتفظًا بجوهره القائم على الشجاعة، ومجسّدًا معاني القوة والتلاحم.
في هذا السياق، أوضح عبدالله الحضيف، مدير مركز سرد الثقافي، أن هذه الدورات تُنظَّم بشكل دوري، ويشرف عليها المدرب سلمان السميري، أحد الأسماء البارزة في الحفاظ على هذا الإرث، مشيرًا إلى أن البرنامج يمنح المشاركين فرصة فريدة للتعمق في تفاصيل العرضة، واكتساب مهاراتها بأسلوب عملي ومنهجي.
يقدّم البرنامج تجربة تدريبية متكاملة، تبدأ بالتأصيل التاريخي للعرضة، مرورًا بتعلّم الإيقاعات والحركات الأساسية، وصولًا إلى بناء الحضور الأدائي، بما يعزّز ثقة المشاركين وقدرتهم على التعبير.
ويستهدف البرنامج تدريب المشاركين على أساسيات العرضة السعودية، بدءًا من الإيقاع والحركة، وصولًا إلى بناء الصف والتناغم الجماعي، ضمن منهج تدريبي واضح يجمع بين الجانب النظري والتطبيق العملي. كما يخوض المتدربون تجربة حيّة داخل بيئة محفّزة مع فرقة عرضة، تحاكي الأداء الحقيقي في المناسبات الوطنية والرسمية.
تنطلق الدورة بنبذة تاريخية تضيء جذور العرضة وتطوّرها عبر العصور، قبل أن ينتقل المشاركون إلى مراحل متقدمة تشمل اللعب الحر وبناء الحضور الأدائي، بما يعزّز قدرتهم على التعبير بثقة وانسيابية. كما تكشف الدورة أسرار الإيقاع المميّز للعرضة، وتدرّب المشاركين على الخطوات الأساسية، إضافة إلى مهارات التحكم بالسيف بدقة واحتراف.
ولا تغفل الدورة الجوانب الجماعية؛ إذ تتضمن تدريبًا على «لعب الصف» وكيفية المشاركة فيه بانسجام وثقة، إلى جانب إتقان «لعب الثلثان»، في تجربة تعكس روح الجماعة التي يقوم عليها هذا الفن. تُختتم الدورة بعرضة ختامية بمشاركة الفرقة، تمنح المتدربين تجربة واقعية متكاملة تترجم ما اكتسبوه من مهارات.
ولا تقتصر هذه المبادرة على الجانب التعليمي، بل تمثل دعوة مفتوحة للحفاظ على التراث الثقافي السعودي ونقله إلى الأجيال القادمة، في ظل ما تحمله العرضة من دلالات عميقة ترتبط بالفخر والقوة والوحدة، حيث تُقدَّم في المناسبات الوطنية والمهرجانات والأعياد بوصفها تعبيرًا حيًا عن الهوية.
يعود تاريخ العرضة إلى جذور بعيدة يُرجّح امتدادها إلى العصر الحجري الحديث، وقد نالت اعترافًا عالميًا بإدراجها ضمن قائمة التراث الثقافي غير المادي لدى اليونسكو عام 2015، تقديرًا لقيمتها التاريخية والثقافية.
وتُظهر الدراسات أن العرضة تطوّرت من عادات عربية قديمة ارتبطت بالحرب منذ الجاهلية، حيث شكّلت الطبول والسيوف والشعر الحماسي عناصرها الأساسية. ويُعتقد أن تسميتها تعود إلى «عرض الخيل» استعدادًا للقتال، أو إلى «الاعتراض بالسيوف» في مشهد تدريبي يجسّد المواجهة، إذ كان الفرسان يتقابلون بالسيوف مردّدين الأشعار الحماسية.
وفي سياق التوثيق، تناول الباحث عدنان الطريف هذا الفن في كتابه «العرضة السعودية: تاريخ تحكيه الصور»، مؤكدًا حضوره في مسيرة الدولة السعودية ومشاركة ملوكها في أدائه، لاسيما في عهد الملك المؤسس عبدالعزيز، الذي حرص عليها قبل انطلاق المعارك. كما نقل الأديب عباس محمود العقاد وصفًا دقيقًا للعرضة في كتابه «مع عاهل الجزيرة العربية»، حيث اعتبرها من أحب الرياضات إلى الملك، واصفًا إياها بأنها «رقصة حرب مهيبة متزنة تثير العزائم وتوقظ في النفوس حرارة الشجاعة».
ويشير الطريف إلى أن من أبرز شعراء العرضة في عهد الملك المؤسس الشاعر فهد بن دحيم، الذي وصفه الأديب عبد الله بن خميس في كتابه «أهازيج الحرب أو شعر العرضة» بأنه حاضر في لحظات الحسم، تتجه إليه الأبصار والأسماع انتظارًا لما ينشده من أبيات تحرّك الوجدان.
يأتي هذا البرنامج ضمن جهود مركز سرد الثقافي لتعزيز الحراك الثقافي والفني في المملكة، عبر تقديم مبادرات نوعية تتيح فرص التعلم والتطوير، وتعيد تقديم التراث بروح معاصرة، بما يرسّخ مكانة العرضة السعودية كأحد أبرز أعمدة الهوية الوطنية وذاكرتها الحيّة.