عبدالوهاب الفايز
حين وقف الأمير عبدالعزيز بن سلمان، وزير الطاقة، على منصة افتتاح (متحف الذهب الأسود) الاسبوع الماضي، خرج عن النص ليضيف (بعدا فكريا وأخلاقيا نوعيا) جعل للخطاب التقليدي الاحتفالي العابر معنى جديدا.
لقد ذكرنا الأمير عبدالعزيز بالبعد الديني والأخلاقي الذي يتجاوز السياسة الاقتصادية إلى عمق النظرية الاقتصادية الاسلامية التي تضع الضوابط والتصوّر الحضاري للتعامل مع الموارد الطبيعية: النفط نعمة لا نقمة، وحُسن التصرف بالنعمة يُحدد مصير الأمم.
وهذا يُستمد من حفظ الضروريات الخمس: (الدين، النفس، العقل، النسل/العرض، المال)، وهي مقاصد الشريعة الإسلامية العليا التي جاء القرآن الكريم بحمايتها لضمان قدرة العباد على عمارة الأرض. فحفظها و(تثبيتها) من ضرورات الوجود، وطبيعي ان يُقدّم حفظ الدين عليها جميعاً.
ونستحضر الآن هذا التأطير الفكري ليس لأجل الرد على أدبيات “لعنة الموارد” التي رسّختها المدرسة الاقتصادية الغربية منذ سبعينيات القرن الماضي، بل لإبراز أن الموقف من النفط يستند في جوهره إلى أصول راسخة في النظرية الاقتصادية الإسلامية، والمبنية على أن علاقة الإنسان بالثروة الطبيعية تقوم على مفهوم (الأمانة) لا (التملّك) المطلق، وعلى مبدأ الانتفاع المشروع لا الاحتكار والاستئثار.
وهي فلسفة جديرة بالتأمل والتعمق في هذه اللحظة التي تتصاعد فيها حدة النقاش حول دور الطاقة في مستقبل الاقتصاد العالمي، بعد القرصنة والبلطجة الإيرانية في أمن الخليج وتعطيل الملاحة وضرب بنية الطاقة والنفط في دولنا. والآن يتجلى هذا الاختلاف بين من يرى النفط نعمة للبشرية، وبين (العقلية الثورية العدمية) لدى الملالي التي تراه فرصة للابتزاز والمساومة!
ضرورات حفظ النعمة في الميزان الإسلامي هي المُوجه الأخلاقي للسلوك الذي نلتزم به. وتقوم النظرية الاقتصادية الإسلامية على تصوّر جوهري مفاده أن خيرات الأرض ليست مُلكاً صرفاً لمن يقطنها، بل هو استخلافٌ مؤقت وأمانةٌ محدودة بشروط. يقول سبحانه وتعالى: « وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ»، أي تعاقب الأجيال على عمارة الأرض، وهذا الاستخلاف مقيّد بمقتضى الغاية الكبرى من الوجود الإنساني، وهو عبادة الله عبر عمارة الأرض ونشر الخير فيها.
في ضوء هذا التصوّر، لا يجوز للدولة التي أنعم الله عليها ثروة نفطية أن تتعامل معها وكأنها سلعة خاضعة بالكامل لحسابات الربح الضيّق، أو أداةٌ للضغط على حاجات الآخرين، أو موردٌ يُهدر دون حساب. النعمة التي تمنحها الإرادة الإلهية للبشر تتطلب ثلاثة واجبات مترابطة: صون النعمة من الاستنزاف، وتوجيهها نحو مصالح الإنسانية، وإدارتها بالحكمة والعدل. وهذه الواجبات الثلاثة، توصف في أدبيات الفقه الاقتصادي الإسلامي بـ (أخلاقيات الموارد الطبيعية). وحين يغيب هذا الوعي الديني وتنفصل الثروة عن منظومتها الأخلاقية، فإن النعمة تنقلب نقمة، ليس بفعل طبيعة المورد ذاته، بل بفعل خيانة الأمانة.
وهذا رأيناه في تجارب دول كثيرة وقعت في فخ ما يُسمى اقتصادياً بـ(المرض الهولندي)، حيث تسبب النفط في تآكل قطاعاتها الإنتاجية وتعفّن مؤسساتها السياسية.
ما تعلمناه من تجربتنا السعودية الطويلة في إدارة نعمة النفط هو حسن العقلية في التصرف مع هذا المورد، وحماية المؤسسات التي تقوم عليه. هناك نتذكر قصة تروى عن نيلسون منديلا، ففي واحدة من زيارته إلي ليبيا أخبره معمر القذافي عن دور اللجان الشعبية وأنها سوف تكون موجودة في كل مؤسسات الدولة ومنها قطاع البترول، وهنا نصحه منديلا بان يبعد هذا القطاع عن هذه اللجان، وقال له يا سيادة الرئيس هذا مصدر عيشكم، لا تعبثوا به. كم كان أديبا حكيما!
إن امتلاك البترول دون امتلاك القدرة المؤسسية والبشرية يُفضي إلى ما وصفته أدبيات التنمية بالوفرة فاقدة القيمة. والآن وبعد عقود من (حسن الدبره)، نرى شركتنا الوطنية (أرامكو السعودية) في هذا السياق ليست مجرد شركة حفر واستخراج نفط، بل هي النموذج الحي والأكثر إقناعاً لما يعنيه مفهوم تجويد الاستخدام. من خلالها، تعلّمت أجيال من السعوديين أن الثروة لا قيمة لها بغير العقل الذي يُديرها، وأن العمارة الحقيقية للأرض تبدأ من بناء الإنسان القادر على تحمّل الأمانة. وهذا جعل النفط في الحالة السعودية مُمكّناً مستقرا لبناء الدولة الحديثة، لا معولاً لهدم نسيجها الاجتماعي والاقتصادي، او للاستخدام في مشاريع الخراب للعباد والبلاد.. والنموذج الايراني حاضرا نراه ونتحسر عليه.
شواهد هذه الحقيقة متعددة وراسخة ليس في بلادنا، بل جميع دول الخليج العربي. في بلادنا نرى المدن الصناعية الكبرى في الجبيل وينبع، (والتي أرسل نظام الملالي الصواريخ لتدميرها)، ولدينا المؤسسات العلمية التي خرّجت قيادات التحول الوطني، وشبكة البنية التحتية التي تربط أطراف بلادنا الشاسعة، كلها وثيقة التأسيس التي تُثبت أن (الذهب الأسود) تحوّل في الحالة السعودية إلى مادة خام ضرورية لاستمرار الحضارة وخير البشرية.
الآن يتطلع (بليونا انسان فقير) إلى نعمة النفط في أساسيات الحياة. وهذا الذي يجعلنا نصارع لحماية الأسعار من عبث المضاربين وتضخم الأسعار، لأن الضحية هؤلاء الفقراء!
وعمق هذه الفلسفة في النظرة للنفط كنعمة للبشرية يتأكد دوما في اللحظات الحرجة التي تتعرض فيها المنظومة لاختبار فعلي. وقد جاء الاختبار الأشد قسوة في سبتمبر 2019، حين تعرّضت المنشآت النفطية السعودية في بقيق وخريص لعدوان سافر، كما حدث مؤخرا من عدوان إيراني صريح. هل استغلت بلادنا هذه الصدمة للأسعار المغرية بالتكسب؟
وفق ما وثّقه الدكتور ماجد المنيف في دراسته الصادرة عن (جمعية اقتصاديات الطاقة السعودية)، خسارتنا بلغت 5.7 مليون برميل يومياً من إنتاج الخام، و0.7 مليون برميل يومياً من سوائل الغاز الطبيعي، و2 مليار قدم مكعب يومياً من الغاز الطبيعي.
هذه أوجدت الفرصة السانحة - من منظور الحسابات الضيّقة - للسماح لصدمة الأسواق بأن تأخذ مداها، وانتظار ما ستُفرزه من ارتفاع حاد في الأسعار لصالح الخزينة السعودية؛ غير أن المملكة - كما يقول المنيف - لم تسلك هذا المسار، إذ لجأت فوراً إلى مخزوناتها الداخلية والخارجية، وأعادت طاقة المنشآت إلى مستوياتها السابقة في غضون أسابيع قليلة، فطمأنت الأسواق العالمية وحدّت من تقلّبات الأسعار التي كان يمكن أن تُلقي بظلالها المدمّرة على اقتصادات الدول المستوردة للنفط، وفي مقدمتها الاقتصادات النامية الهشّة.
هذا التصرف المسؤول لم يكن ضرباً من الحكمة الاستراتيجية. إنه أيضاً، وفي المقام الأول، التزامٌ أخلاقي بالمسؤولية تجاه النعمة. فالمملكة، كأكبر مُصدّر للنفط في العالم، تُدرك أن سوق الطاقة ليس ساحة مناورة مجردة من القيم والاخلاقيات، بل شريان حياة يتصل مباشرة بقدرة مئات الملايين من البشر على التدفئة والإنتاج والعيش بكرامة. والمسؤولية عن هذا الشريان هي في صميم ما يعنيه مفهوم الأمانة الذي تُرسّخه الشريعة في علاقة الإنسان بما استُخلف عليه.
يبلغ مفهوم (التجويد الأخلاقي تجاه النعمة) ذروته في التحوّل الاستراتيجي الذي تقوده (رؤية السعودية 2030). فالنقلة النوعية الكبرى في النموذج السعودي الراهن هي استخدام عوائد النفط لبناء اقتصاد قادر على الاستمرار والازدهار بعيدا عن تقلبات الأسعار. وهذه أمانةٌ تُؤدّى أولا إلى استثمار النعمة في بناء الإنسان والدولة، ثم تؤدي إلى الانعتاق التدريجي من الارتهان للنعمة ذاتها. فالاستثمارات الضخمة في الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر، وفتح أسواق السياحة والترفيه والتقنية، وتنويع القاعدة الصناعية ليست تنويعاً اقتصادياً بالمفهوم الإستثماري التقليدي. إنها إعادة صياغة للعلاقة مع الموارد، وتُقرّ بأن أمانة (الذهب الأسود) تكتمل في توظيفه لفتح الطريق أمام بدائل لا تنضب.
لقد وضعنا الامير عبدالعزيز أمام (القرينة) التي تُدرَّس، فما قاله في افتتاح متحف (الذهب الأسود) هو أكثر من موقف رسمي. إنه قراءةٌ حضارية تربط الحاضر بعمق الموقف الديني والأخلاقي من الثروة، وتؤكد أن عظمة الأمم لا تُقاس بما يوجد في باطن أرضها، بل بمستوى الوعي السياسي الذي يتعامل مع هذا الباطن وكأنه وديعةٌ سوف تُسأل عنها الأجيال.
النفط كان ويمكن أن يكون نقمة، لكنه في السياق السعودي حين اقترن بـ (الإرادة السياسية الواعية) و(وحسن الإدارة) و(الأمانة الأخلاقية)، تحوّل إلى ما هو أندر من النفط نفسه: نموذجٌ للاستخلاف الرشيد. هذا هو المعنى الذي أراد (متحف الذهب الأسود) أن يُودعه في ذاكرة الأجيال، حتى تستنير البصيرة، وتعرف حقيقة بلادها حتى تواصل حمل هذه الأمانة، أمانة حفظ النعمة. فقد يمنح الله النعم للعباد من باب الابتلاء والامتحان.. ليرى أيكفرون أم يشكرون!