«الجزيرة» - محمد بن عبدالله آل شملان:
في مساء يليق بالذاكرة، ويُشبه ملامح الوفاء حين تفيض في القلوب قبل الكلمات، احتضن قصرٌ عتيق في مدينة الرياض حكاية رجل لم يكن عابراً في سجل الزمن، بل كان زمناً يمشي على قدمين، رجل اسمه الأمير سعود الفيصل، الذي ظل صوته، وهدوؤه، وبصيرته، جزءاً من ملامح الوطن، وامتداداً لهيبته في العالم.
هناك، في أروقة قصر الملك فيصل، الذي استعاد نبضه بعد ترميم أعاد إليه الحياة والهيبة، لم يكن التدشين مجرد مناسبة ثقافية، بل كان لحظة استعادة لروحٍ عظيمة، وكأن الجدران التي شهدت تاريخ الملك فيصل بن عبدالعزيز، تعود لتحتفي بابنٍ حمل إرثه، وسار على نهجه، وزاد عليه من حكمة عصره وتعقيداته.
في هذا المشهد المهيب، جاء تدشين كتاب «الأمير سعود الفيصل»، الذي أصدرته مؤسسة التراث غير الربحية بالتعاون مع مؤسسة الملك فيصل الخيرية، وكأن الصفحات لم تُكتب بالحبر، بل كُتبت بشيء من الحنين، وشيء من الفخر، وكثيرٍ من الاعتراف بجميل رجل لم يطلب يوماً جزاءً ولا شكوراً.
وقف الأمير تركي الفيصل، بصوته الذي يحمل عبق التجربة ودفء القرب، ليدشِّن الكتاب، لا بصفته الرسمية فحسب، بل بصفته شاهداً على رحلة أخٍ ورفيق درب.
لم يكن اختيار قصر الملك فيصل في مدينة الرياض مجرد مصادفة؛ بل كان رسالة عميقة، فهذه هي المرة الأولى التي يُقام فيها حفل في هذا الصرح بعد تأهيله ليكون متحفاً يوثِّق إرث الملك فيصل ومسيرته. وكأن التاريخ، وهو يعاد ترميمه، قرر أن يبدأ من هنا، من رجل امتد بين جيلين، وحمل بين كفيه ملامح دولة وهي تصوغ مكانتها بين الأمم.
ذلك التدشين لم يكن حدثاً عابراً، بل كان فعل وفاء، وفاء لمسيرة إنسان ومسؤول خدم وطنه بإخلاصٍ نادر، في مراحل مفصلية من تاريخ المملكة. رجل سخَّر قدراته لخدمة قيادته ومواطنيه، وجعل من عمله رسالة، ومن موقعه مسؤولية أخلاقية قبل أن يكون منصباً سياسياً. حتى أصبح -رحمه الله- مدرسة قائمة بذاتها؛ مدرسة الأخلاق، والقيم، ونكران الذات، مدرسة تغيب فيها الأنا، وتحضر فيها رفعة الوطن، وسيادة الحق، والعدل في العالم.
لقد عرفه العالم، لا بصفته وزير خارجية فحسب، بل كصوت للحكمة، ووجه للاتزان، وعقل يقرأ ما وراء الأحداث. كان يجسد ما يجب أن يكون عليه وزير خارجية لدولة بحجم المملكة العربية السعودية، بثقلها السياسي، ومكانتها الروحية، ودورها المحوري.
أما الكتاب فليس مجرد سرد تقليدي، بل هو رحلة زمنية تنسج خيوطها عبر العصور. يبدأ من ولادته في عهد جده المؤسس الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، ويمتد عبر عهود الملوك: الملك سعود بن عبدالعزيز، الملك فيصل بن عبدالعزيز، الملك خالد بن عبدالعزيز، الملك فهد بن عبدالعزيز، الملك عبدالله بن عبدالعزيز، وصولًا إلى عهد الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وسمو ولي عهده الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز.
وبين هذه المحطات، تتناثر الصور كنجوم في سماء السرد؛ صور لا توثّق فقط، بل تنبض بالحياة، تعكس اهتماماته المتعددة، من التراث إلى البيئة، ومن العلوم إلى الفنون والرياضة، لتكشف عن شخصية لم تكن سياسية فحسب، بل إنسانية شاملة، ترى العالم بعين واسعة، وقلب متسع.
هذا الإصدار يأتي ضمن سلسلة راسخة من كتب الصور التاريخية التي تصدرها مؤسسة التراث، والتي تسعى إلى توثيق الذاكرة الوطنية، حيث سبق أن أرّخت لرموز الدولة من الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود إلى أبنائه الملوك، وصولاً إلى خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، في مشروعٍ لا يكتفي بحفظ التاريخ، بل يعيد تقديمه للأجيال بصرياً ومعرفياً، ليبقى حياً في الوجدان.
وفي قلب الحفل، تعانقت الكلمات مع الصورة، حين ألقى الأمير تركي الفيصل كلمة، في لحظة بدا فيها الصوت امتداداً للذاكرة. ثم جاء الفيلم الوثائقي، ليحكي ما قد تعجز الكلمات عن بلوغه؛ عرضاً بصرياً ثرياً، يروي سيرة الأمير سعود الفيصل من خلال صور ووثائق نادرة، وكأن المشاهد يسير معه، يرى ما رأى، ويشعر بما شعر.
هكذا، لم يكن الكتاب مجرد إصدار، ولم يكن التدشين مجرد مناسبة، بل كان لقاءً بين الماضي والحاضر، بين الوفاء والتاريخ، بين رجل رحل جسداً، وبقي أثراً لا يزول، وكأن الرسالة التي خرج بها الجميع، صامتة لكنها واضحة: أن بعض الرجال لا يُكتبون في الكتب، بل تُكتب بهم الكتب.