جدة - «الجزيرة»:
في اليوم العالمي للفنون، لم يعد الاحتفاء بالفن مناسبة رمزية عابرة، بل تحوّل إلى منصة لقراءة التحولات العميقة التي يشهدها المشهد الثقافي العربي. وتتصدر المملكة العربية السعودية هذا الحراك، قائدةً واحدة من أبرز موجات النهوض الفني في المنطقة، مدفوعة برؤية استراتيجية طموحة ضمن رؤية السعودية 2030.
أعادت المملكة صياغة علاقتها بالفن، لا بوصفه نشاطاً هامشياً، بل كأحد أعمدة الهوية الوطنية ومحركات الاقتصاد الإبداعي. هذا التحول لم يكن وليد المصادفة، بل جاء ثمرة عمل مؤسسي متكامل بدأ بتأسيس وزارة الثقافة، وتوسّع عبر إطلاق 11 هيئة ثقافية متخصصة تغطي مختلف مجالات التعبير الفني، من الموسيقى إلى السينما، ومن المسرح إلى الفنون البصرية.
وفي هذا السياق، قال الناقد الفني خالد ربيع السيد: «الاحتفال بالفنون هذا العام يواكب حدثاً مهماً في مملكتنا الغالية، حيث افتُتحت جامعة الرياض للفنون، وهو حدث مبارك يتوج رؤية المملكة 2030. الفنون والثقافة شهدتا في بلادنا تطوراً جذرياً وسريعاً، انتقلتا فيه من التركيز على الفنون الشعبية والتراثية إلى مشهد معاصر وحيوي مدعوم برؤية شاملة، عبر إنشاء 11 هيئة ثقافية متخصصة. كما تم تحديث القطاع ليشمل الفنون البصرية، والمسرح، والأفلام، والموسيقى، مع تعزيز الحضور الدولي والاحتفاء بالإرث المحلي».
يستعيد المشهد الثقافي جذوره عبر محطات متعاقبة. بدأت بمرحلة التأسيس والتراث قبل عام 2015، حيث شكّلت الفنون الشعبية مثل العرضة وفن السدو حجر الأساس للهوية البصرية والثقافية، بدعم من مؤسسات رائدة أبرزها الجمعية العربية السعودية للثقافة والفنون.
ثم جاءت مرحلة التحول والتمكين التي دشّنتها الدولة عبر سياسات ثقافية حديثة، نقلت الفن من نطاق الهواية إلى فضاء الصناعة، ليصبح نمط حياة وعنصراً فاعلاً في التنمية. وتوّجت هذه المرحلة بمشاريع نوعية أبرزها مؤسسة بينالي الدرعية للفنون المعاصرة، وتأسيس المعهد الملكي للفنون التقليدية، إلى جانب مبادرات دعم المواهب مثل الجوائز الثقافية الوطنية، وبرامج «الأعوام الثقافية» التي عززت الحضور السعودي عالمياً.
وفي قراءة تحليلية لواقع الفن اليوم، يرى الناقد الفني وائل سعود العتيبي أن المشهد تجاوز مرحلة الوصف إلى صناعة التأثير، قائلاً: «الفن في السعودية لم يعد ينتظر الاعتراف، بل أصبح يصنعه. نحن أمام لحظة تاريخية يتقدّم فيها الإبداع ليقود الوعي، لا ليعكسه فقط. ما يحدث اليوم ليس ازدهاراً عابراً، بل إعادة تشكيل جذرية لمفهوم الفن ذاته، حيث لم يعد الفنان أسير القالب، ولا المتلقي متفرجاً صامتاً، بل شريكاً في إنتاج المعنى. الجرأة التي نراها في التجارب السعودية اليوم ليست ترفاً، بل ضرورة. ضرورة لطرح الأسئلة التي طال تأجيلها، وكسر المساحات الرمادية التي عطّلت المشهد طويلاً. الفن السعودي اليوم لا يجمّل الواقع، بل يواجهه، يفككه، ويعيد صياغته بلغة بصرية قادرة على الوصول إلى العالم دون أن تفقد هويتها.
إذا كانت رؤية 2030 قد فتحت الأبواب، فإن التحدي الحقيقي الآن هو كيف نحافظ على هذا الزخم دون أن نفقد العمق. كيف ننتج فناً لا يكتفي بالإبهار، بل يترك أثراً فكرياً وجمالياً يمتد إلى ما بعد اللحظة. نحن لا نحتاج مزيداً من الأعمال، نحن نحتاج أعمالاً تقول شيئاً حقيقياً».
هكذا يتجاوز الحراك الفني في المملكة حدود الاحتفاء إلى صناعة نموذج عربي جديد، يقوم على التوازن بين الأصالة والتجديد، وبين الهوية والانفتاح. وفي ظل هذا الزخم، تبدو السعودية لا تكتفي بإعادة تعريف الفن محلياً، بل تسهم في رسم ملامح مستقبل الإبداع العربي بأسره.