منصور ماجد الذيابي
كنت ذكرت في مقال سابق بعنوان الاستثمار الأجنبي في مناطق التوتر، اضافة لما أشرت إليه في مقالات أخرى عن الحروب من أن الصراعات المسلّحة في هذا العالم، وتحديدا في منطقة الشرق الأوسط تعدّ فرصة استثمارية جاذبة لجيوش وأساطيل الدول الغربية بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية التي تسعى لانتهاز واستغلال أي توتّر أو نزاع مُسلّح في البر والبحر، وحتى في الفضاء البعيد لطالما وجدت في هذه التّوترات والعمليات القتالية مكاسب سياسية وعسكرية وتجارية بذرائع مختلفة و حجج واهية لم تعد خافية على المهتمين بقضايا العالم والمراقبين للشأن الدولي والإقليمي، ناهيك عن سعيهم الحثيث للبحث عن فرص التواجد العسكري في البحار والصحاري وحتى البحث في الفضاء لاكتشاف كواكب أخرى يمكن السيطرة عليها، وتهديد كوكب الأرض بأكمله من مسافات بعيدة.
نعلم جميعا أن بعضا من دول العالم تجعل من القوة العسكرية وسيلة دفاعية لصد الهجمات الغادرة، غير أن بعض الدول الأخرى مثل إسرائيل وإيران و أمريكا تسعى منذ زمن بعيد لفرض السيطرة والهيمنة والتوسع بالقوة العسكرية، تماما مثلما حدث ابّان حقبة حرب النجوم مع الاتحاد السوفيتي سابقاً، على غرار ما آلت إليه الأحداث في حرب الخليج الثانية عام 1990، ومن ثم مقايضة العراق آنذاك بالنفط وفقا لبرنامج النفط مقابل الغذاء في عام 1995، بمعنى أن الدول الكبرى تصنع فرص الوجود العسكري و تبحث عن مناطق التّوتر لإشعال فتيل الأزمات فيها من أجل عرض الخدمات العسكرية واللوجستية لاحقا على حساب الأمن والسلم الدّوليين وعلى حساب أرواح العباد وأنقاض البلاد، كما أوضحت في مقال سابق بعنوان ماذا بعد اشعال الحرائق في الشرق الأوسط ، وكذلك كما أشرت في مقال بعنوان «معركة الموصل وشعار الحرب على الارهاب»
ومما يؤكد تنافس الدول الطامعة للتواجد في الشرق الأوسط هو ما حدث إبان الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة في السابع من اكتوبر تشرين أول من عام 2023 عندما سارعت الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاءها الأوروبيين الى تقديم الدعم العسكري لإسرائيل من أجل اطالة أمد الحرب في المنطقة و توسيع نطاقها ليشمل مناطق أخرى في الشرق الأوسط كما حدث مؤخرا عدما شنّت أمريكا الحرب على إيران من أجل حماية وتكريس وجود اسرائيل لتبقى منصة أمريكية و أوروبية لإطلاق صواريخ الهيمنة في المنطقة، ومن أجل أن تبقى الحرب مصدرا اقتصاديا لتمويل خطوط الانتاج في مصانع السلاح الامريكية التي جنت و تجني أرباحاِ طائلة من عمليات تدمير البنى التحتية للدول و تفجير المجمّعات السكنية و القاء القنابل الفسفورية والعنقودية على المدنيين الذين ينظر اليهم الغرب على أنهم حيوانات بشرية وفقا لوصف خنازير أركان الحرب في اسرائيل.
كما نتذكّر وصول القوات الروسية الى مياه البحر الأبيض المتوسط و تواجدها عسكريا في قاعدة حميميم الى الجنوب الشرقي من محافظة اللاذقية في سوريا لمنافسة ايران والولايات المتحدة الأمريكية في التواجد بالمنطقة العربية حتى وصلت لاحقا الى ليبيا عبر شركة فاغنر الروسية كما ذكرت في مقال بعنوان «وصلت إلى ليبيا بعد خراب سوريا».
وفي الجانب الآخر من عدوان أمريكا واسرائيل على قطاع صغير لا تتجاوز مساحته 365 كيلو متر مربع نجد أن هناك من أوعز لحزب الله في لبنان وللحوثيين في اليمن بدخول دائرة الصراع تحت غطاء مساندة الشعب الفلسطيني الشقيق لأجل اتاحة فرصة استثمارية أخرى كالتي أتاحتها حركة حماس للمستعمرين القدامى.
وذلك حينما تبنّت قوات حزب الله في لبنان والحوثيين في اليمن القيام بعمليات قرصنة السفن التجارية في مضيق باب المندب وخليج عدن ما جعل وزير الدفاع الامريكي يقوم آنذاك بزيارة لإسرائيل عرض خلالها تقديم خدمات البيت الأبيض بذريعة حماية السفن من اعمال القرصنة البحرية لعل أن يجد في المنطقة ما يعوّض به الخسائر الفادحة التي تكبّدها حلف شمال الأطلسي في أوكرانيا حيث غرق الحلفاء هناك في مستنقع الحرب الروسية على أوكرانيا كما أوضحت في مقال سابق بعنوان «اللاجئون الأوكرانيون».
يدرك الرأي العام أيضا، وبتواطؤ من جانب الولايات المتحدة، أن إيران تقدّم للحوثيين دعما عسكريا لأجل توفير مثل هكذا فرص استثمارية للشيطان الأكبر كما تصفه إيران مقابل أن يغض الشيطان الأكبر الطرف عن البرنامج النووي كما أشرت في مقال بعنوان «محور الممانعة والمقاومة»، وهو المحور الذي يتعاون مع كل أشكال الشياطين الكبرى والصغرى في العالم ليبقى له من نصيب الأسد ما يعزز به تحقيق طموحاته التوسعية على حساب الأمن والاستقرار في المنطقة العربية.
وكنت أتساءل حول ما اذا كانت حاملة الطائرات ايزنهاور وصلت آنذاك الى جنوب البحر الأحمر لحماية السفن التجارية والملاحة البحرية من مخاطر القرصنة الحوثية العبثية في عرض البحار، أم أنه كان لوصولها هناك أبعاد عسكرية أخرى و طموحات أعلى تتعلق باستخدام الذراع الحوثية لزعزعة استقرار المنطقة الخليجية والعربية ليمكن لهم حينذاك نهب الموارد الطبيعية و تكريس الوجود العسكري على الأرض العربية، لاسيما و أن الولايات المتحدة الأمريكية كانت شطبت الحوثيين من قائمة الارهاب وشرعنة وجود هذا التنظيم الارهابي لغاية في نفس يعقوب!.
وفي تقديري أن الحرب التي وقعت مؤخرا بين أمريكا و إيران وإسرائيل كانت حربا بين المتنافسين على التّمدُّد و التّوغل وبسط النفوذ و فرض الهيمنة على مناطق واسعة من الشرق الأوسط لا سيما الهيمنة على مضيق هرمز الذي تمر من خلاله سفن النفط والغاز و الشحنات التجارية المختلفة إلى حد فرض ايران رسوم جمركية باهظة على كل سفينة تعبر المضيق ما جعل الإدارة الأمريكية تقرر المنافسة وتتقدم بأساطيلها البحرية لفرض حصار بحري بذريعة إزالة الألغام و فرض مرور آمن للسفن الناقلة لشحنات النفط والغاز، وبالتالي أرى أن هذه الحرب ليست إلا حلقة من سلسلة طويلة لقرصنة البحار و زعزعة الاستقرار بهداف التّمدد والتّوسع عسكريا و الهيمنة حتى على المياه الدولية والإقليمية.