الرياض - خاص بـ«الجزيرة»:
ثقافة الاعتذار والتسامح سلوك حضاري وقيمة إنسانية راقية، لا يتقنها إلا الأقوياء والعقلاء، وهي تعبير عن نضج الشخصية واحترام الآخرين، وتشمل الاعتراف بالخطأ، والصدق في طلب العذر، وتجنب التمادي في الباطل، مع التشديد على قبول الأعذار كصفة لكرام الناس.
«الجزيرة» التقت اثنين من المختصين في العلوم الشرعية والطبية ليتحدثا حول تلك القضية، فماذا قالا؟
الاعتذار عن الخطأ
يؤكد الدكتور محمد بن سعد العصيمي، الأستاذ بكلية الشريعة بجامعة أم القرى، أن الاعتذار عن الخطأ والتقصير لغة النفوس الراقية، والقلوب المؤمنة، وهو فعل نبيل، وخلق كريم، يعطي الأمل بتجديد العلاقة وتعزيزها، ومسح الأثر النفسي، والمحافظة على بقاء العلاقة بين شخصين فأكثر يكون بالاعتذار حتى فيما يختلف فيه الاجتهاد من وقوع الخطأ منك، أو فهم الآخر بحصوله عليه، وخصوصاً بين القرابة، إذ النفوس مجبولة على الخطأ بقصد أو بدونه، وفي الحديث: (كل ابن آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون)، كما أن المحافظة على العلاقة بالاعتذار من شخصية أولي الألباب، والعقول المستنيرة، فالإنسان اجتماعي بطبعه، فإذا فقد لغة الاعتذار، فقد العلاقة مع كثير من الناس. وشدد الدكتور محمد العصيمي على أن الاعتذار سبب لصلة الأرحام، وعدم قطعها، (والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل)، فهم يقدمون الاعتذار لحصول الصلة ابتغاء وجه ربهم.
والاعتذار من حسن الخلق، وفي الحديث:(سئل صلى الله عليه وسلم عن أكثر ما يدخل الناس الجنة، قال: (تقوى الله وحسن الخلق)، كما أن الاعتذار سبب للبعد عن الكبر الذي هو من أكبر الذنوب، حيث يكون المتكبرون يوم القيامة كالذر يطأهم الناس، وإن من صدر منه خطأ ولو كان محتملاً لوقوع الخطأ منه، قد تواضع، ولا يزيد الله عبداً بتواضعه إلا عزاً، وفي الحديث: سئل صلى الله عليه وسلم ما الكبر، قال:( رد الحق، وغمط الناس) أي احتقارهم، ومن احتقارهم عدم الاعتذار إليهم عند حصول الخطأ منهم.
وقال الدكتور محمد العصيمي: في الاعتذار:جبر الخواطر، وتطييب نفوس الغير، والإحسان إليهم بالكلمات الطيبات، قال تعالى: {واحسنوا إن الله يحب المحسنين} ومن أعظم الإحسان تطييب نفسية أخيك المسلم بالكلمة الطيبة، والابتسامة الجميلة: (لا يحقرن أحدكم من المعروف شيئاً ولو أن يلقى أخاه بوجه طلق)، وفي الاعتذار: الابتعاد عن الغلظة والشدة، قال تعالى: {ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك}، وأبعاد الناس عن الله تعالى: القلب الغليظ القاسي، وتكوين العلاقة مع الآخرين في الكبر من الصعوبة بمكان، فحافظ على أصحابك الطيبين منذ الصغر، ولا تفقدهم باعتزازك بنفسك عما وقع منك من الخطأ بالاعتذار.
ضعف أم قوة؟
ويقول الدكتور أحمد نبيل عبدالفتاح أخصائي الأمراض الباطنية بالرياض: يعتقد كثيرون أن الاعتذار عند الخطأ نقطة ضعف أو إنكسار لايجب إظهارها فهى دليل هزيمة لا تليق بهم، ومن هذا المنطلق يُصنف المكابرون والرافضون للاعتذار أنفسهم كطبقة مثالية لا تخطئ أبدًا، وإن حدث وأخطات لا تعتذر لمن تظنهم دونها وهذا هو الكبر والمكابرة، وهما من صفات الشياطين والعياذ بالله، بل على العكس من ذلك؛ فالاعتذار هو أسمى مراتب النبل والشجاعة ودليل قوة الشخصية والشخص النبيل هو الذي يضع الحق والعدل وإرضاء الضمير فوق رغبته في الظهور كشخص مثالي لا يخطئ، والشخص الضعيف هو الذي يهرب من خطئه بالأعذار أما القوي فهو من يملك الجرأة ليقول: «أنا اخطأت».
الاعتذار ثقافة لمن يجيدها
ويشدد الدكتور أحمد نبيل عبدالفتاح على أن الإعتذار ليس دليل ضعف أو فشل بل هو الاعتراف بالخطأ والرجوع عنه وترجمة هذا الشعور إلى فعل حسّىي ملموس تُجبر النفس للرجوع إلى الحق ومحاسبة الذات؛ فالاعتراف بالخطأ فضيلة وكذلك الاعتذار عنه كلاهما فضيلتان تعززان روابط الألفة والمحبة بين البشر فهو كالبلسم الذي يشفي الجروح ويمنع تطور الخصومة إلى الجفاء والعداوة، وفي القرآن الكريم جاء الاعتذار فى صور متعددة منها التوبة والاعتراف بالخطأ، مثل اعتراف الأنبياء وقول آدم وحواء عليهما السلام في كتاب الله تعالى:»ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين» صدق الله العظيم، وكذلك عن قبول الاعتذار والصفح قول الله تعالى:»فاعف عنهم وأصفح إن الله يحب المحسنين»صدق الله العظيم.
كبرياء أم اضطراب ؟
ويسترسل د. أحمد نبيل عبدالفتاح أخصائي الأمراض الباطنية بالرياض، في حديثه قائلاً: وللأسف يصعب على البعض قول أنا آسف عند الخطأ، وذلك قد يكون لأسباب نفسية واجتماعية حيث يُنظر للاعتذار على أنه ضعف أو تهديد للكبرياء أو إعتراف بالخطأ فرفض الاعتذار ليس فقط سلوك عنيد، بل هو نافذة تطل على الصراعات النفسية الداخلية التى يعيشها الفرد بينما الاعتذار مؤشر على النضج العاطفي وسلامة وقوة الشخصية، ويعتبر رفض الاعتذار دليل الهشاشة النفسية فقد يرى المعتذر أن كلمة آسف قد تجعله ضعيفًا أمام الناس وقد يكون أيضاً من صفات الشخصية النرجسية التى تملك كبرياء زائدا يمنعها من الاعتراف بالخطأ، أو يقلل من قيمته ويكسر صورته المثالية، كما يعتقد وأحياناً يكون السبب الخوف من الملامة أو حماية للنفس وعدم تحمل للمسؤولية.
أدب وخلق جميل
ويؤكد د. أحمد نبيل عبدالفتاح على أن الاعتذار فن إنسانٍي راقٍ لا يتقنه كل البشر، رغم أنه لا يتطلب علمًا أو ثقافة كبيرين بل شيء من الأدب والتواضع وقدرة على كبح جماح النفس، وهو لغة النفوس الراقية التي تحترم ذاتها تنبع من أصحاب القلوب الطيبة المغمورة بالحب والحنان والخير، وتكمن أهمية الاعتذار فى قدرته السحرية على ترميم وعلاج كل المشاكل وإنهاء الخلافات التي قد تدوم طويلاً بسبب سوء فهم بسيط، كما إنه يمنح المخطى راحة بال فورية ويخلصه من ثقل تأنيب الضمير بينما يمنح الطرف الآخر شعوراً بالرضا والتقدير والاحترام، كما أن الاعتذار الصادق يذيب الجليد ويمنع تراكم الأحقاد ويمهد الطريق للتسامح والعفو ويحول الخلافات إلى فرص لزيادة التقارب والتفاهم، وللاعتذار الصادق الصحيح شروط وقواعد بسيطة أهمها سرعة المبادرة وعدم تبرير الخطأ وعدم التعالي أو التلاعب بالكلمات، وكذلك اختيار الطريقة المناسبة، واختيار الوقت والمكان المناسبين.
دواء للقلب والجسد
وينبه د. أحمد نبيل عبدالفتاح أخصائي الأمراض الباطنية بالرياض إلى أنه قد لا يسبب رفض الاعتذار أو عدم الصفح مرضًا عضويًا مباشراً، ولكنه قد يولد الضغط النفسي الناتج عن الضيق والمشاعر السلبية والتي مع الوقت قد يؤدي إلى مشاكل صحية عضوية ونفسية مثل: ارتفاع ضغط الدم، زيادة اجهاد عضلة القلب، التوتر المزمن، اضطرابات القلق والاكتئاب، وفي حالة استمرار هذه الحالة من المشاعر لفترات طويلة قد تضعف الجهاز المناعى وجعل الجسم عرضة للكثير من الأمراض التي قد تؤدى أيضًا إلى اضطرابات القولون، والآلام مستمرة بالعضلات، والخلاصة إن الاعتذار أو الصفح ليسا مجرد صفات أخلاقية حميدة فقط بل هما وقاية صحية تحمي جسدك من سموم التوتر والقلق مما يحمي صحة جسمك وعقلك.
ولذلك يجب على الجميع المساعدة فى ترسيخ ثقافة الاعتذار في مجتمعنا بنشر هذه الثقافة من خلال القدوة.إبدأ بنفسك فعندما يراك طفلك، أهلك، موظفك تعتذر عن خطأك سيعلم أن كلمة آسف هي كلمة الشجاع وليست للضعيف أو غير القادر، وكذلك قبول فكرة أن الجميع يخطئون، وتوضيح أن الاعتذار رقي وأخلاق وليس ضعف أو تقليل من الكرامة، وأن قبول الاعتذار أيضاً من شيم الكرام فعندما يعتذر لك شخصاً استقبله بتقدير لأنك إذا أحرجته سيتجنب الاعتذار لك أو لغيرك مستقبلاً، ولذلك فإن ثقافة الاعتذار ممارسة تحتاجها مجتمعاتنا كثيراً وينبغي زرعها في نفوس الصغار قبل الكبار فتصبح جزءًا من ثقافتهم وتنعكس إيجاباً على مجمل علاقتهم الاجتماعية وعندها يستطيعون ممارسة الاعتذار عن الخطأ بدون تردد أو شعور بخوف أو ضعف، كما أنه يجب علينا أن نتذكر دائماً بأن الاعتذار عند الخطأ قوة لا يستطيعها الضعفاء هو لغة العظماء وفضيلة الأنبياء لا تخجل من قولها فالحق أحق أن يُتبع والقلوب التي تكسرها كلمة يمكننا مداواتها بكلمة اعتذار صادقة، وفي الحديث الشريف «كُل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون».