د.شريف بن محمد الأتربي
مهما بلغ المعلم والمعلمة من معارف ومعلومات ومهارات تصب في مصلحة العملية التعليمية؛ إلا أن مهارة إدارة الفصل تظل هي المهارة الأولى في سلة المهارات المطلوب من المعلمين والمعلمات أمتلكها وبقوة، واستخدامها بحنكة وروية، فهي الفاصل بين الضبط وتحقيق الأهداف، وبين الغوغائية والوصول إلى الفشل.
لقد عاصرت على مدار 25 عاما في التعليم نماذج متعددة من المعلمين، كانوا جميعا مؤهلين أفضل تأهيل، ويمتلكون خبرات تفوق العقد وأكثر من الزمن، وعند ولوجهم إلى الفصل الدراسي، تتبدد هذه الخبرات والمعارف وكأنها لم تكن يوما رفيقة لهم، فمع أول اختبار من الطلبة لشخصية المعلم، يقع المعلم في الفخ، ويتنازل عن شخصيته، وخبراته، ومهاراته من أجل استمرار العملية التعليمية، فيصم أذنيه عن كلمات جارحة تنهمر عليه، ويرفض اتخاذ القرارات التربوية بداعي المحافظة على مستقبل الطالب، وينسى أو يتناسى أن الفاكهة العطنة تفسد باقي الوعاء.
إن إدارة الصف الدراسي تُعد من أهم -إن لم تكن الأهم- الركائز الأساسية لنجاح العملية التعليمية، إذ تشكل الإطار العام الذي ينظم التفاعل بين المعلم والطلبة داخل البيئة الصفية. ومع تطور نظم التعليم وازدياد انتشار التعليم الرقمي والهجين، لم تعد إدارة الصف تقتصر على حفظ النظام فحسب، بل تطورت إلى منظومة متكاملة تهدف إلى خلق بيئة تعليمية محفزة وآمنة تدعم التعلم الفعّال. لم يعد دور إدارة الصف محصورًا في ضبط سلوك الطلبة؛ بل يشمل تنظيم البيئة الصفية، وتعزيز التفاعل الإيجابي، ودعم التعلم النشط، وإدارة الوقت والأنشطة، حيث تشير الأدبيات التربوية إلى تحول الفكرة من نهج عقابي وردعي إلى نهج احتوائي ووقائي. إن ولوج المعلم للفصل وبدء تعامله مع الطلبة الحاضرين سواء كانوا في المرحلة الابتدائية أو المراحل التعليمية الأعلى؛ يحتاج من المعلم وضع عدة أسس وضوابط لإدارة البيئة الصفية، هذه الضوابط هي المحكات التي تحكم العلاقة بين الطرفين لتحقيق أهداف التعلم، وتعزز الاحترام المتبادل، كما تشجع على المشاركة والمساءلة الإيجابية.
يجب على المعلم نهج إستراتيجيات فعّالة داخل الصف تعمل على التعزيز الإيجابي، مثل مكافأة السلوك المرغوب فور حدوثه لزيادة تكراره، واستخدام لغة هادئة ومحترمة للحد من التصعيد العاطفي، واستخدام الإشارات غير اللفظية، مثل حركات اليد أو النظر أو التحرك داخل الصف لإدارة الانتباه. ومن المهم العمل على إعادة توجيه السلوك بدل معاقبته، بحيث يتم تحويل طاقة السلوك إلى نشاط بنّاء.
واحدة من أهم أسباب فشل المعلم في إدارة الصف؛ هو فشله في إدارة الوقت، فجميع الدراسات التربوية أكدت أن الطالب يشعر بالملل بعد ما يقرب من 10 – 15 دقيقة، لذا فعلى المعلم أن يخطط لدرسه بحيث لا يترك مجالا لملل الطالب في أن يؤثر على سلوكه، وسلوك المحيطين به. يبدأ ذلك من خلال التخطيط المسبق والدقة في تقسيم الزمن لكل نشاط، وتحديد أهداف زمنية واضحة لكل جزء من الدرس، واستخدام إشارات انتقالية لتقليل الفاقد الزمني، واستخدام تقنيات مثل «المؤقت الصامت» أو «الخطوات الموقوتة» لزيادة الانضباط الذاتي.
لقد كان كوفيد19 عاملا مهما في الإشارة إلى ضرورة الاهتمام بإدارة الصف في البيئة الرقمية، حيث شهدت العملية التعليمية انخفاضا في التفاعل الحي، وصعوبة مراقبة التركيز، وتشتيت الانتباه بسبب أجهزة الطلاب، مما أحدث فجوة تعليمية، احتاجت إلى وضع خطط إستراتيجية لسدها تجاوزت فترة الكوفيد نفسها.
لقد أوصت العديد من الدراسات بضرورة نهج المعلم نهجا معينا يختلف كلية عن نهج الفصول التقليدية في إدارته للصف الافتراضي، حيث يجب عليه وضع قواعد واضحة للصف الافتراضي (كاميرا/ميكروفون، رفع اليد افتراضيًا، سلوكيات الدردشة)، واستخدام الأدوات التفاعلية، مثل الاستطلاعات الفورية، غرف العمل الصغيرة (breakout rooms)، السبورات التعاونية، وتنويع الأنشطة، ما بين أنشطة قصيرة ومتنوعة للحفاظ على التركيز، إلى جانب متابعة الحضور والمشاركة بشكل مستمر وإعطاء تغذية راجعة فورية.
إن إدارة الصف في بيئات التعلم الحديثة تتطلب مزيجًا من التخطيط، والمهارات التواصلية، والإستراتيجيات السلوكية الإيجابية، والمرونة التكنولوجية. الأدلة البحثية تُظهر أن الانتقال من نهج رقابي إلى نهج وقائي وبنّاء يحقق فوائد ملحوظة في السلوك والتحصيل الأكاديمي والرضا العام داخل العملية التعليمية. بالتحسين المستمر والتقييم الدوري، يمكن للمعلمين تحويل الصف إلى بيئة حية للتعلّم تهيئ الطلبة للنجاح أكاديميًا وشخصيًا.