أحمد آدم
أحياناً وبحكم السنين والحنين للماضي استمع لمذياع قديم أحتفظ به في غرفة مكتبي. قبل أيام فوجئت بخبر استئناف محاكمة نتنياهو تطلقه تنبيهات الأخبار العاجلة على هاتفي. انطلقت مني تنهيدة لم يفلح كل هذا الدمار وكل هذه الأرواح التي أزهقت لئلا يحاكم. وانطلقت صور دمار غزة ولبنان وإيران تمر أمامي. وانساب معها صوت أم كلثوم من المذياع وهي تشدو «والنار بقت دخان.. ورماد.. فات الميعاد». فانتابتني شجون وانسابت دمعة لا أدري أهي بسبب مشاهد الدمار أم بسبب مقطع الأغنية أم أن الاثنين جاءا معاً ليعبرا بمصادفة إلهية عن موقف يثير أسفاً وشجوناً.
استؤنفت جلسات محاكمة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في قضايا الفساد والرشوة (الأحد 12 أبريل 2026). يأتي هذا الاستئناف بعد فترة توقف استمرت لأسابيع بسبب حالة الطوارئ التي فُرضت خلال الحرب مع إيران. ومع رفع حالة الطوارئ وإعلان وقف إطلاق النار يوم الأربعاء الماضي، قرر النظام القضائي العودة للعمل كالمعتاد. لتبدأ محاكمة نتنياهو على النحو التالي ( الموعد: تبدأ الجلسة الأولى اليوم الأحد في تمام الساعة 9:30 صباحاً في محكمة القدس المركزية - أيام الجلسات: من المقرر أن تُعقد الجلسات بشكل دوري من الأحد إلى الأربعاء من كل أسبوع). طلب تأجيل جديد: تقدم فريق الدفاع عن نتنياهو يوم الجمعة (10 أبريل) بطلب لتأجيل شهادته الشخصية لمدة أسبوعين على الأقل، مبرراً ذلك بظروف أمنية ودبلوماسية «حساسة» تتعلق بالأحداث الإقليمية الأخيرة. ورغم طلب التأجيل، أبدى الدفاع استعداده لمواصلة الاستماع لشهادات شهود آخرين. تتعلق المحاكمة بثلاثة ملفات أساسية (1000، 2000، و4000) يواجه فيها نتنياهو تهم الرشوة، والاحتيال، وإساءة الأمانة، وهي التهم التي ينفيها باستمرار.
تدخل ترامب المرفوض
تدخل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عدة مرات وبشكل رسمي لمطالبة الرئيس الإسرائيلي، إسحاق هرتسوغ، بمنح عفو كامل لبنيامين نتنياهو لإنهاء محاكمته في قضايا الفساد.
وكان تدخله بتكرار وبشكل غير مسبوق:
* ففي رسائل رسمية (نوفمبر 2025) بعث ترامب إلى هرتسوغ يدعوه فيها لمنح العفو لنتنياهو، معتبراً أن المحاكمة «غير مبررة» وتمثل «مطاردة سياسية».
وبرر ترامب طلبه بأن نتنياهو «قائد قوي في زمن الحرب» ويجب ألا يتم تشتيت انتباهه بهذه القضايا.
* تصريحات علنية (فبراير 2026): جدد ترامب دعوته للعفو خلال فعاليات في البيت الأبيض، وهاجم الرئيس الإسرائيلي هرتسوغ بشدة قائلاً إنه «يجب أن يخجل من نفسه» لعدم منح العفو، واصفاً موقفه بـ«المخزي».
* ربط المساعدات (يونيو 2025): لوّح ترامب في وقت سابق بإمكانية ربط المساعدات المالية الأمريكية لإسرائيل بمسار المحاكمة، واصفاً استمرار الإجراءات القانونية ضد نتنياهو بأنه «جنون».
موقف الرئاسة الإسرائيلية: رفض هرتسوغ هذه الضغوط، مؤكداً أن سلطة العفو تتبع إجراءات قانونية محددة تتطلب تقديم طلب رسمي من الشخص المعني (نتنياهو نفسه) بعد اعترافه بالذنب أو صدور حكم نهائي، وهو ما لم يحدث حتي الآن.
موقف الداخل الإسرائيلي
انقسم الداخل الإسرائيلي تجاه طلب العفو عن بنيامين نتنياهو إلى جبهتين متصارعتين، حيث تعكس استطلاعات الرأي والاحتجاجات الميدانية حالة من الاستقطاب الحاد وهو ما أظهرته نتائج الاستطلاعات (حتى أبريل (2026 والتي أشارت للآتي:
* المعارضون: حوالي 53 % من الإسرائيليين يرون أن الإجراءات القضائية يجب أن تستمر دون تدخل. وشهدت تل أبيب والقدس تظاهرات حاشدة أمام منزل الرئيس «إسحاق هرتسوغ»، رفع فيها المتظاهرون شعارات تصف العفو بأنه سيحول إسرائيل إلى «جمهورية موز».
* المؤيدون: بينما تتراوح نسبة المؤيدين للعفو بين 36 % إلى 39 %، وغالبيتهم من معسكر اليمين ويرى المؤيدون أن إنهاء المحاكمة ضروري لتوحيد المجتمع الإسرائيلي، خاصة في ظل الظروف الأمنية والحروب المستمرة. ويتبنى هؤلاء رواية نتنياهو وترامب بأن المحاكمة هي «ملاحقة سياسية» تهدف للإطاحة بزعيم اليمين.
* وهناك نسبة تقارب 17 % لا تزال غير حاسمة لموقفها، بانتظار ما ستسفر عنه جلسات المحاكمة المستأنفة.
كان نتنياهو يراهن على استمرار الحروب التي أشعلها على جبهات متعددة لتأجيل المحاكمة كما أراد فقط تحقيق انتصار واضح في إحداها ليخلق تأييداً وضغطاً شعبياً لإصدار عفو رئاسي عنه وهو ما لم يتحقق ودارت الأيام. وجاءت لحظة المحاكمة.
هذا الإصرار الدولي والداخلي على المحاكمة، وهذه الاستماتة في الدفاع، لا ينبعان من مجرد صراع قانوني، بل من طبيعة الرجل الذي تجاوز كونه رئيساً ليصبح «زعيماً» يرى نفسه فوق المؤسسات. ونحن كعرب خصوم لنتنياهو الإرهابي ونرفض سلوكياته ولكن هذا في كفه وتقييمه كزعيم من الزعماء المؤثرين في تاريخ الكيان الإسرائيلي في كفة أخرى. اختفاء نتنياهو بسجنه أو بإجباره على تقديم استقالته. أمر لابد لنا من تحليل تأثيراته لما لها من أهمية تعيننا على استشراف المستقبل القريب لمنطقة الشرق الأوسط. كما أن غياب «نتنياهو» عن المشهد السياسي الإسرائيلي، سواء كان ذلك تغييباً قضائياً (كالسجن) أو تغييباً لتفادي السجن (تقديم استقالته)، سيؤدي إلى زلزال سياسي وأمني في إسرائيل وصراع الخلافة (داخلياً).
* تفكك الائتلاف الحاكم: حكومة نتنياهو الحالية تعتمد بشكل أساسي على شخصيته لربط اليمين المتطرف باليمين التقليدي. غيابه المفاجئ قد يؤدي فوراً إلى صراعات داخل حزب «الليكود» لخلافته، مما قد يسبب انهيار الحكومة والذهاب لانتخابات مبكرة.
* تفعيل قانون التعذر: في حال غيابه المفاجئ، يتولى نائب رئيس الوزراء (حالياً ياريف ليفين) الصلاحيات مؤقتاً، لكنه لا يمتلك الكاريزما أو السيطرة التي يفرضها نتنياهو على شركائه المتشددين، مما قد يشل اتخاذ القرار.
* ارتباك القرار العسكري: غياب القائد الأعلى (رئيس الوزراء) في لحظة حرجة قد يسبب ارتباكاً مؤقتاً في سلسلة القيادة، وهو ما قد تستغله أطراف «محور المقاومة» (حزب الله، والحوثيون) لتصعيد الهجمات.
* نتنياهو يتبنى خطاً متشدداً يرفض التنازلات الواسعة. غيابه قد يفتح الباب لتيار «أكثر براغماتية» (مثل بيني غانتس أو يائير لابيد) للوصول إلى تسويات سياسية، أو على العكس، قد يدفع اليمين المتطرف للسيطرة الكاملة واتخاذ قرارات أكثر دموية.
* هناك العلاقة الشخصية «المعقدة» مع ترامب: فرغم الدعم التاريخي من ترامب لإسرائيل، إلا أن علاقته بنتنياهو شهدت فترات من الجفاء والتوتر الشخصي. وغياب نتنياهو الآن قد يفتح الباب أمام ترامب للتعامل مع «وجه جديد» في إسرائيل، ربما يكون أكثر تناغماً مع رؤية ترامب لإنهاء الصراعات بسرعة عبر صفقات كبرى.
* غياب نتنياهو «المتمسك باللاءات» قد يسهل على صهر ترامب (جاريد كوشنر) أو مبعوثيه طرح خطة سلام إقليمية جديدة «فوق رأس» القيادة الإسرائيلية الحالية، مستغلين حالة الفراغ السياسي في تل أبيب لفرض واقع جديد بالمنطقة.
* الليكود وترامب: حزب الليكود بدون نتنياهو قد يميل أكثر نحو «الشعبوية» التي يفضلها ترامب، مما قد يحول إسرائيل إلى حليف أكثر تبعية للبيت الأبيض، مقارنة بنتنياهو الذي كان يناور أحياناً لفرض أجندته الخاصة على واشنطن.
غياب نتنياهو في عهد ترامب قد يعني نهاية عصر المناورات الدبلوماسية الطويلة والتحول نحو قرارات حاسمة وسريعة بالنسبة لكل مشكلات منطقة الشرق الأوسط.
وبافتراض غياب نتنياهو سيؤدي إلى هزات اقتصادية عنيفة، نظراً لكونه المهندس الرئيسي للسياسات الاقتصادية الليبرالية في إسرائيل طوال عقود، ولارتباط استقرار الأسواق بشخصيته في إدارة الائتلاف. كما أنه في ظل الحرب الحالية، الاقتصاد الإسرائيلي يعاني أصلاً من نزيف بسبب استدعاء الاحتياط وتوقف السياحة. وغياب نتنياهو سيكون بمثابة القشة التي تقصم ظهر البعير ائتمانياً. فالأسواق لا تخاف من الموت بقدر ما تخاف من «عدم الوضوح». صراع الخلافة داخل الليكود بين «ليفين» و»كاتس» أو غيرهم سيجعل المستثمر يهرب فوراً.
* انهيار البورصة والشيكل: أول رد فعل سيكون «صدمة الأسواق». إذ من المتوقع تراجع حاد في مؤشرات بورصة تل أبيب (TA-35) وانخفاض قيمة الشيكل أمام الدولار بسبب حالة «عدم اليقين» السياسي، وهو ما قد يدفع البنك المركزي للتدخل العاجل بضخ سيولة دولارية.
* تجميد الاستثمارات في قطاع التكنولوجيا: يعتمد هذا القطاع (محرك الاقتصاد الإسرائيلي) على الاستقرار الأمني والسياسي. غياب نتنياهو المفاجئ قد يدفع المستثمرين الأجانب إلى «الانتظار والترقب» أو سحب استثماراتهم، مما يهدد نمو القطاع.
* أزمة الموازنة والإنفاق العسكري: في ظل غيابه، قد ينفرط عقد الائتلاف الحكومي، مما يعطل إقرار الميزانيات التكميلية للحرب، ويؤدي إلى صراعات بين الوزارات على الحصص المالية، مما يزيد من العجز المالي للدولة.
* خطر خفض التصنيف الائتماني: وكالات التصنيف الدولية (مثل موديز وستاندرد آند بورز) تراقب «الاستقرار المؤسسي». غياب نتنياهو فجأة في ذروة الحرب قد يدفع هذه الوكالات لخفض تصنيف إسرائيل الائتماني مجدداً، مما يرفع تكلفة الاقتراض الحكومي.
* مشاريع الغاز المشتركة والربط الكهربائي بين إسرائيل وقبرص واليونان قد تواجه تباطؤاً بسبب عدم وضوح الرؤية السياسية للقيادة الإسرائيلية القادمة تجاه هذه الاتفاقيات الاستراتيجية.
* قد تتباطأ وتيرة التعاون الاقتصادي ضمن «اتفاقيات أبراهام» مؤقتاً، حيث يفضل الشركاء الإقليميون انتظار هوية رئيس الوزراء الجديد وتوجهاته الاقتصادية والسياسية قبل المضي في استثمارات كبرى.
وأخذاً في الاعتبار بوجود دونالد ترامب في البيت الأبيض فقد يحاول تهدئة الأسواق عبر وعود بدعم اقتصادي وعسكري غير محدود لإسرائيل لضمان عدم انهيارها اقتصادياً، لكن «تقلبات ترامب» نفسها قد تزيد من قلق الأسواق العالمية إذا لم تمضِ مثلاً اتفاقيات السلام مع إيران بشكل جيد وينجرف ترامب للحرب مرة أخرى. مما يرفع تكاليف التأمين والشحن البحري في المنطقة.
الخلاصة أن غياب نتنياهو لن يكون مجرد حدث سياسي، بل «صدمة اقتصادية» إسرائيلية ستكلف الخزانة الإسرائيلية مليارات الدولارات نتيجة حالة الغموض الأمني والسياسي.
لم تكن خيبة أمل نتنياهو سياسية وقضائية فحسب، بل كانت اقتصادية بامتياز. فبينما كان يراهن على صورة النصر لتمرير العفو، كانت أرقام الاقتصاد الإسرائيلي تصرخ بواقع آخر. مع استئناف المحاكمة في أبريل 2026، لم تعد المعركة في قاعات المحاكم فقط، بل في جيوب الإسرائيليين الذين سئموا تمويل حروب البقاء الشخصي بإطعام الحرب.
لقد أدت الجبهات المتعددة (غزة، لبنان، وإيران) إلى استنزاف غير مسبوق للميزانية، حيث سجل العجز المالي مستويات تاريخية، وتراجعت التصنيفات الائتمانية للدولة تِباعاً. هنا، لم يعد الانقسام الشعبي مجرد آراء سياسية، بل تحول إلى صرخة اقتصادية؛ فالمعارضون للعفو (53 %) يرون أن الأموال التي أُهدرت لإطالة أمد الحرب كان أولى بها ترميم الاقتصاد المتهالك، بينما بدأ حتى جزء من المؤيدين يشعرون بوطأة الغلاء وانهيار المرافق، مما جعل رواية الملاحقة السياسية تبدو باهتة أمام حقيقة الإفلاس المعيشي.
لقد «فات الميعاد» لترميم ما أفسدته الحرب؛ فالدمار الذي طال البنية التحتية، ونزوح الاستثمارات الأجنبية خوفاً من عدم الاستقرار القانوني والسياسي، جعل من محاكمة نتنياهو اليوم ليست مجرد محاكمة لرجل، بل محاكمة لمرحلة كاملة من «المغامرة الاقتصادية» غير المحسوبة. نتنياهو قد يشعر بأن الدنيا بدأت تضيق مع شعور بأن صديقه ترامب لم يضغط ضغطاً كافياً للعفو.
هنا توقف القلم عن الكتابة فقد انسابت لأذني الست وهى تختتم بجملة: «تعتب علي ليه وأنا بأيديا إيه.. فات الميعاد».