سعدون مطلق السوارج
كيف أعادت المملكة العربية السعودية رسم معادلة الخليج بين الفوضى والتوازن؟
لم يكن مضيق هرمز يومًا مجرد ممرٍ بحري ضيق، بل ظلّ لعقودٍ طويلة واحدًا من أخطر مفاصل الاقتصاد العالمي، تعبره نسبة تُقدّر بنحو خُمس إمدادات النفط عالميًا، وفق تقديرات وكالة الطاقة الدولية.
ومن هنا، فإن أي اضطراب فيه لا يُقاس بحدود الجغرافيا، بل بقدر ما يُحدثه من ارتباكٍ في توازن العالم بأسره.
لكن الخطر الحقيقي لم يعد في إغلاقه... بل في من لا يملك خيارًا إن أُغلق.
غير أن ما يشهده الإقليم اليوم يتجاوز فكرة الاضطراب إلى ما هو أعمق:
محاولات متكررة لفرض واقعٍ تُدار فيه التجارة بالأزمات، وتُستخدم فيه الممرات البحرية كأدوات ضغط لا كجسور عبور.
ومن يهدد بإغلاق الممرات... يعترف ضمنًا أنه لا يملك بديلًا.
وفي الخليج اليوم، لم تعد هذه التهديدات نظرية... بل خطابًا يتكرر، فيما الرد الحقيقي لا يكون بالتصعيد، بل ببناء ما يجعل التهديد بلا قيمة.
مضيق هرمز... حين تتحول الجغرافيا
إلى أداة ضغط
«الدول التي تخشى إغلاق المضائق... لم تبنِ بدائلها بعد».
حين ترتفع المخاطر في هذا الممر الحيوي، فإن الأثر لا يبقى محليًا، بل يمتد ليطال:
* تكاليف الشحن والتأمين.
* استقرار أسواق الطاقة.
* سلاسل الإمداد والغذاء.
لكن السؤال الحقيقي لم يعد: هل يمكن تعطيل المضيق؟
بل أصبح: من يملك القدرة على العبور بدونه؟
المملكة العربية السعودية...
إدارة الأزمة قبل أن تولد
ما تكشفه الوقائع أن المملكة لم تتعامل مع مضيق هرمز بوصفه قدرًا، بل بوصفه تحديًا يمكن تجاوزه بالتخطيط طويل المدى.
وهنا تتشكل منظومة متكاملة، لا تقوم على مرفق واحد، بل على شبكة بدائل سيادية تعيد تعريف مفهوم السيطرة الاقتصادية.
أولًا: خط الأنابيب شرق – غرب.. حين تتحرر الصادرات من الجغرافيا
يمثل هذا الخط أحد أهم المشاريع الاستراتيجية في قطاع الطاقة، بإشراف أرامكو السعودية:
* طاقة تشغيلية تقارب سبعة ملايين برميل يوميًا.
* امتداد مباشر إلى موانئ البحر الأحمر بعيدًا عن مضيق هرمز.
وهنا لا نتحدث عن بديلٍ جزئي، بل عن قدرة تمكّن المملكة من إعادة توجيه جزءٍ كبير من صادراتها النفطية دون المرور بنقطة الاختناق الأخطر في العالم.
حين يُغلق البحر طريقًا.. تفتح الاستراتيجية طريقين.
ثانيًا: منظومة الموانئ.. طاقة تشغيلية تعيد رسم الخريطة
تدير الهيئة العامة للموانئ شبكة تضم عشرة موانئ رئيسية، من أبرزها:
* ميناء جدة الإسلامي.
* ميناء الملك عبدالعزيز بالدمام.
* ميناء الملك عبدالله.
* ميناء ينبع التجاري والصناعي.
وبحسب البيانات الرسمية:
* طاقة تتجاوز ثلاثة عشر مليون حاوية سنويًا.
* مناولة تفوق ثلاثمائة مليون طن من البضائع سنويًا.
* ارتباط مع أكثر من مئتين وخمسين ميناءً حول العالم.
وهذه ليست مجرد أرقام تشغيلية، بل قدرة كافية لإعادة توجيه حركة تجارة إقليمٍ بأكمله عند الحاجة، وتحويل الضغط إلى فرصة.
ثالثًا: ميناء الرياض الجاف.. نقل البحر إلى الداخل
يمثل ميناء الرياض الجاف بعدًا استراتيجيًا عميقًا:
* ربط مباشر مع ميناء الملك عبدالعزيز بالدمام.
* تسريع الإجراءات الجمركية.
* تخفيف الضغط على السواحل.
وهنا تتحقق معادلة نادرة:
لم تعد الموانئ على السواحل فقط.. بل امتدت إلى عمق الدولة.
رابعًا: السكك الحديدية.. الشريان الذي لا يتوقف
تقود الشركة السعودية للخطوط الحديدية شبكة تتجاوز خمسة آلاف وخمسمائة كيلومتر:
* ربط الموانئ بالمناطق الصناعية.
* نقل ملايين الأطنان سنويًا.
* تقليل الاعتماد على الطرق التقليدية.
وفي أوقات الأزمات، لا تُرى هذه الشبكة.. لكنها تعمل بصمت، لتضمن أن الاقتصاد لا يتوقف حتى حين تتعثر الممرات.
الخليج في قلب الرؤية.. حين يتحول
الدور إلى مسؤولية
لم تعد المملكة مجرد دولة محورية في الخليج، بل أصبحت صمام توازن إقليمي يُعاد من خلاله ضبط إيقاع الاستقرار.
لم تُبنَ هذه المنظومة لخدمة الداخل فقط، بل لتكون ركيزة استقرار لدول مجلس التعاون الخليجي:
* توفير مسارات بديلة عبر البحر الأحمر.
* دعم تدفق السلع الأساسية.
* الحفاظ على استقرار الأسواق.
القوة الحقيقية لا تظهر حين تعمل الأنظمة بشكل طبيعي.. بل حين تستمر رغم الاضطراب.
بين نموذجين.. من يصنع المستقبل؟
ما يجري اليوم ليس مجرد توتر، بل مواجهة بين نهجين:
* نهج يقوم على تعطيل الممرات وخلق الأزمات.
* ونهج يقوم على بناء البدائل وضمان الاستمرارية.
من يراهن على إغلاق طريق.. يفكر بعقلية اللحظة.
ومن يبني طرقًا بديلة.. يفكر بعقلية الدولة.
الخاتمة: هنا تتغير القاعدة
لم تعد المعركة في الخليج بين من يسيطر على المضيق، بل بين من يستطيع الاستغناء عنه.
فحين تُستخدم الجغرافيا كسلاح، تصبح البدائل سيادة.
وحين تُدار الأزمات بردود الأفعال، تُدار الدول بالرؤية.
من يراهن على إغلاق مضيق.. يراهن على الماضي أما من يبني البدائل.. فهو من يكتب المستقبل.
وهنا تحديدًا، لا يكون السؤال: من أغلق الطريق؟
بل: من امتلك القدرة على المضي رغم إغلاقه.
حين تُختبر الممرات في لحظات الاضطراب، لا يصمد إلا من يمتلك القدرة على خلق البدائل وصناعة الاستقرار.
** **
- باحث في التراث الكويتي والخليجي