د. إبراهيم بن جلال فضلون
لم يعد الغضب في الاقتصاد مجرد رد فعل نفسي على ما تعيشه المجتمعات الحديثة من مفارقة قاسية بين مؤشرات الاقتصاد الكلي (مثل نمو الناتج المحلي الإجمالي) وبين «الواقع المعيشي» للأفراد، بل أصبح ظاهرة سياسية - اقتصادية متكاملة عابرة للحدود.
وهذا ما يصفه كتاب Angrynomics أو «علم الغضب» لإريك لونرجان ومارك بليث، وتكمن خطورة «الغضب الاقتصادي» في أنه لا ينشأ فقط من الفقر، بل من الإحساس بالظلم وعدم العدالة، محولًا الإحباط إلى غضب سياسي واجتماعي، فالأزمات الاقتصادية لا تؤدي فقط إلى خسائر مادية، بل تولد شعوراً بالعجز وفقدان السيطرة، وهو ما يدفع الأفراد إلى تبني مواقف أكثر تطرفاً أو عدائية.
فمن الغضب كطاقة محركة، يتحول هذا الإحباط المالي إلى غضب سياسي، يتم استغلاله عبر فرض حصار اقتصادي يؤدي إلى «تضخم مستورد»، مما يدفع الجماهير نحو حافة الانفجار ضد أنظمتها، وهو ما يمثل جوهر استراتيجية الضغط الأمريكية الإسرائيلية على القوى الإقليمية وإيران.
فتتبنى الإدارة الأميركية، بقيادة وزير الخزانة سكوت بيسنت، نسخة أكثر شراسة من سياسة الضغط الأقصى لتأجيج التوترات. فمنذ إعادة فرض العقوبات الأميركية بعد الانسحاب من الاتفاق النووي عام 2018، ثم تصعيدها مجدداً في 2025 و2026، وأصبح الاقتصاد الإيراني تحت ضغط غير مسبوق، فأطلقت عليها رسمياً عملية «الغضب الاقتصادي»، بهدف تجفيف منابع العملة الصعبة عبر استهداف «شرايين الحياة» الاقتصادية، بأداة إلغاء كافة التراخيص الاستثنائية لبيع النفط، وتحويل النظام المالي العالمي إلى مصفاة تمنع مرور أي دولار مرتبط بطهران أو موسكو، علمًا بأن إيران تُصدر نحو 2.15 مليون برميل يومياً، بعائدات شهرية تراوح بين 3.9 و4.2 مليارات دولار، وتمتلك مخزوناً نفطياً برياً يراوح بين 30 و90 مليون برميل، ما يسمح لها بالصمود من 16 يوماً إلى شهرين فقط إذا توقفت صادراتها بالكامل، قبل أن تضطر إلى خفض الإنتاج.
لكن المفارقة أن هذه السياسات لم تضرب إيران وحدها، بل ارتدت على الاقتصاد العالمي نفسه، فكلما تقلصت صادرات النفط الإيراني، ارتفعت مخاطر نقص الإمدادات العالمية، فالاقتصاد الإيراني انكمش ناتجه المحلي، مع تراجع الصادرات النفطية إلى مستويات قياسية تقترب من الصفر الفعلي نتيجة التهديدات الموجهة للمشترين، بينما نرى معدلات التضخم في بريطانيا، قفز من مستهدفه عند 2 % ليصل إلى 4 %، مما أدى إلى تآكل المكاسب التي حققتها حكومة العمال، لذا خفّض صندوق النقد الدولي توقعات النمو لبريطانيا من 1.3 % إلى 0.8 % لعام 2026، مما يجعلها الاقتصاد الأسوأ أداءً بين دول السبع الكبرى (G7) بسبب هذه الحرب الاقتصادية.
ومن الغضب إلى الحافة الاقتصادية متحولاً من مجرد عقوبات إلى «عزلة دبلوماسية مدفوعة بالخوف المالي»، تمهيداً لإجبار واشنطن حلفاء إيران الإقليميين والدوليين على المفاضلة بين استمرار العلاقة مع طهران أو البقاء ضمن نظام «السويفت» والدولار، وهو ما خلق حالة من التوتر الدبلوماسي غير المسبوق، حيث تُعامل المعاملات التجارية مع إيران كـ «خطر أمني قومي» لا كنشاط اقتصادي، وهو ما نراه في غضب لندن المكتوم، إما أن تلتزم تاريخياً بالتحالف مع واشنطن، أو تدفع الثمن الأكبر لهذه «الحماقة» كما وصفتها وزيرة الخزانة البريطانية راتشيل ريفز.
وآسيوياً أرسلت وزارة الخزانة الأميركية رسائل تحذيرية إلى بنكين صينيين في ذروة التصعيد الاقتصادي، مؤكدة أنها قد تفرض عليهما «عقوبات ثانوية» إذا ثبت أنهما سهلتا مرور أموال إيرانية أو تعاملات مرتبطة بالنفط الإيراني بسلاح الدولار «إما نحن أو هم»، كنظام مراقبة عالمي، وهنأ هي لا تُعاقب إيران فقط، بل تعاقب أي طرف ثالث يتعامل معها. حيثُ تستند الخزانة الأميركية إلى تشريعات طوارئ اقتصادية تسمح لها بمعاقبة مؤسسات مالية في دول «صديقة أو منافسة» إذا مست مصالح الأمن القومي الأميركي، وتكتسب هذه الخطوة أهمية إضافية لأنها تأتي قبل اجتماع متوقع بين ترمب والرئيس الصيني، ما يجعل العقوبات جزءاً من لعبة تفاوض أوسع بين القوتين، وفي المقابل هي تحفيز للبدائل قد تعجل من جهود الصين ودول البريكس (BRICS) لخلق نظام مالي موازٍ بعيداً عن «الغضب الأميركي».
وقفة
إن «علم الغضب» الاقتصادي الذي نعيشه اليوم هو سلاح ذو حدين؛ فالعقوبات المفروضة على إيران بدأت كأداة ضغط سياسية، لكنها تحولت تدريجياً إلى مصدر غضب عالمي، فبينما ينجح في خنق الخصوم، فإنه يزرع بذور التمرد لدى الحلفاء ويحفز القوى المنافسة على بناء عالم «متعدد الأقطاب مالياً»، وقد يخلق تجاهل «الألم الاقتصادي» الذي يشعر به الشارع العالمي تحولات تدميرية تتجاوز في أثرها الحروب العسكرية التقليدية.