صبحي شبانة
في توقيتٍ تتسارع فيه التحولات، وتتشابك فيه خرائط النفوذ مع خرائط المصالح، ينعقد في تركيا اجتماعٌ يضم وزراء خارجية كلٍ من المملكة العربية السعودية وجمهورية مصر العربية وباكستان، وهو لقاءٌ لا يمكن قراءته بوصفه محطةً دبلوماسيةً عابرة، بقدر ما ينبغي التوقف عنده كإشارةٍ إلى إدراكٍ متنامٍ بأن موازين القوى في منطقتنا لم تعد تُصاغ إلا عبر التكتل، ولا تُحمى إلا بمنطق الشراكة.
فإذا كانت الجغرافيا قد منحت هذه الدول مواقع متميزة على خرائط العالم، فإن السياسة اليوم تُعيد استدعاء تلك الجغرافيا لتكون أساسًا لبناء معادلة الردعٍ والاستقرارٍ في آنٍ واحد، هذا الاجتماع لا يكتسب أهميته فقط من طبيعة الملفات المطروحة، بل من طبيعة الأطراف الحاضرة، إذ نحن أمام أربع دول تتكامل فيما بينها عناصر القوة الجيواستراتيجية، من الموقع إلى الموارد، ومن التأثير السياسي إلى الامتداد الحضاري والديني، وعندما تجتمع هذه العناصر في لحظةٍ واحدة، فإننا لا نكون أمام لقاءٍ بروتوكولي، بل أمام احتمالٍ حقيقي لإعادة تشكيل جزءٍ من معادلة التوازن في الإقليم.
في القلب من هذه المعادلة، تبرز المملكة العربية السعودية، ليس فقط بوصفها قوةً اقتصادية كبرى وركيزةً أساسية في أسواق الطاقة العالمية، بل أيضًا وهذا هو البعد الذي لا يمكن تجاوزه بوصفها الحاضنة لأقدس مقدسات المسلمين، وموطن الحرمين الشريفين، هذا الثقل الديني يمنحها مكانةً فريدة في وجدان أكثر من ملياري مسلم حول العالم، ويضفي على دورها السياسي بعدًا معنويًا يتجاوز الحسابات التقليدية للقوة، إن هذا الامتداد الروحي لا يُترجم فقط في رمزية المكان، بل في القدرة على التأثير في المزاج العام للعالم الإسلامي، وفي إمكانية توجيه الخطاب نحو الاعتدال، وتعزيز قيم الاستقرار، واحتواء النزاعات قبل انفجارها، ومن هنا، فإن أي تحرك إقليمي تشارك فيه المملكة، لا يُقرأ فقط بلغة السياسة، بل بلغةٍ أعمق تمزج بين المسؤولية الدينية والدور القيادي..
إلى جانب هذا الثقل، تمتلك المملكة موقعًا جيواستراتيجيًا بالغ الأهمية، فهي تتوسط خطوط التجارة والطاقة، وتطل على ممرات بحرية حيوية عبر الخليج العربي والبحر الأحمر، ما يجعلها نقطة ارتكاز في أي معادلة تتعلق بأمن الطاقة أو استقرار الملاحة الدولية، وعندما يُضاف هذا الموقع إلى ثقلها الاقتصادي والديني، تتشكل صورةٌ لقوةٍ شاملة، يصعب تجاوزها في أي ترتيبات إقليمية.
أما جمهورية مصر العربية، فهي بوابة الجغرافيا والتاريخ معًا، تتحكم في شريانٍ ملاحي عالمي عبر قناة السويس، وتطل على البحرين الأحمر والمتوسط، ما يجعلها حلقة وصلٍ لا غنى عنها بين ثلاث قارات، وإلى جانب هذا الموقع، تمتلك مصر عمقًا بشريًا وعسكريًا يمنحها قدرةً على التأثير في معادلات الأمن الإقليمي، فضلا عن مؤسساتها الوطنية الراسخة، وقدرتها على التأثير في محيطها العربي والأفريقي، مصر بتاريخها وحضورها، تشكل عنصر التوازن الذي يربط بين المشرق والمغرب، ويمنح أي تحالفٍ إقليمي بعدًا استراتيجيًا متماسكًا، خصوصًا في محيطٍ يزداد اضطرابًا من شرق المتوسط إلى القرن الأفريقي.
وفي تركيا، تتجسد معادلة العبور بين القارات، فهي ليست مجرد دولةٍ تقع على تخوم آسيا وأوروبا، بل تمثل جسرًا استراتيجيًا يربط بينهما، وتتحكم في مضائق بحرية حيوية مثل البوسفور والدردنيل، هذا الموقع، إلى جانب قدراتها الصناعية والعسكرية والاقتصادية، يمنحها دورًا متقدمًا في توازنات القوى، ويجعلها لاعبًا لا يمكن تجاوزه في ملفات الطاقة والأمن والهجرة.
أما باكستان، فهي قوةٌ لا يُستهان بها في جنوب آسيا، تمتلك عمقًا نوويًا، وموقعًا يربط بين الشرق الأوسط وآسيا الوسطى والهند، فضلًا عن إشرافها على ممراتٍ بحرية قريبة من خطوط التجارة العالمية، كما أن ثقلها السكاني والعسكري يمنحها حضورًا مؤثرًا في أي معادلة إقليمية تتجاوز حدودها المباشرة.
وعندما تجتمع هذه القوى الأربع، فإننا لا نكون أمام لقاءٍ تقليدي، بل أمام كتلةٍ جيواستراتيجية تمتد من ضفاف المتوسط إلى أعماق آسيا، وتتحكم بصورةٍ مباشرة أو غير مباشرة في عددٍ من أهم الممرات البحرية وخطوط الطاقة والتجارة في العالم، هذه الكتلة، إن أحسنت تنسيق مواقفها، قادرة على تشكيل ما يمكن تسميته بـ«قوس الاستقرار»، الذي يحدّ من فوضى الإقليم، ويمنح دوله هامشًا أوسع من الاستقلال في القرار.
الأهمية الحقيقية لهذا الاجتماع لا تكمن فقط في تعدد وقوة أطرافه، بل في توقيته، فالمنطقة تمر بمرحلةٍ دقيقة، تتداخل فيها الأزمات من أكثر من اتجاه، توتراتٍ مفتوحة، صراعاتٍ مؤجلة، وضغوطٍ دولية تعيد رسم خرائط النفوذ، وفي مثل هذه اللحظات، يصبح التنسيق بين القوى الإقليمية الكبرى ضرورةً لا تحتمل التأجيل، لأن البديل هو ترك فراغٍ سرعان ما تملؤه قوى خارجية، غالبًا ما تكون حساباتها بعيدة عن مصالح شعوب المنطقة.
لقد أثبتت تجارب السنوات الماضية أن غياب التنسيق لا يؤدي فقط إلى إضعاف المواقف، بل يفتح الباب أمام مزيدٍ من التعقيد في الأزمات، وعلى العكس، فإن الحد الأدنى من التفاهم يمكن أن يتحول إلى رافعةٍ للاستقرار، إذا ما بُني على رؤيةٍ مشتركة تتجاوز الخلافات الظرفية.
وفي هذا السياق، يبرز مفهوم الردع الاستراتيجي بوصفه أحد أهم النتائج المحتملة لمثل هذا اللقاء، فالردع لا يُبنى فقط على القوة العسكرية، بل على وضوح الرسائل، وتماسك المواقف، وقدرة الأطراف على التحرك كجبهةٍ واحدة عند الضرورة، وعندما تدرك الأطراف الأخرى أن هناك تنسيقًا حقيقيًا بين هذه الدول، فإن حساباتها تتغير، واحتمالات التصعيد تتراجع.
إن اجتماع هذه الدول الأربع يبعث برسالةٍ مزدوجة، الأولى إلى الداخل الإقليمي، بأن هناك إمكانيةً حقيقية لبناء منظومة تعاون تتجاوز الخلافات، والثانية إلى الخارج، بأن المنطقة قادرة على إنتاج توازناتها بنفسها، دون الارتهان الكامل لإراداتٍ خارجية.
غير أن تحويل هذه الإمكانية إلى واقع، يتطلب أكثر من مجرد لقاءات دورية، يتطلب بناء آلياتٍ مؤسسية للتنسيق، وتوسيع نطاق التعاون ليشمل الاقتصاد، والأمن، والطاقة، وحتى الثقافة، فالقوة الحقيقية لأي تكتل لا تُقاس فقط بما يملكه من موارد، بل بقدرته على تحويل هذه الموارد إلى سياساتٍ متكاملة.
ولعل أحد أهم التحديات التي تواجه مثل هذا المسار، هو كيفية إدارة التباينات الطبيعية بين هذه الدول، دون أن تتحول إلى عوائق، فالتاريخ يقول إن الاختلاف لا يُلغي إمكانية التعاون، بل قد يكون دافعًا له، إذا ما أُدير بعقلانية، ووُضع في إطارٍ يخدم المصالح الكبرى.
من هنا، فإن هذا الاجتماع مهما بدت نتائجه الأولية محدودة يمثل فرصةً لإعادة التفكير في شكل العلاقات الإقليمية، والانتقال بها من حالة التفاعل المؤقت إلى حالة الشراكة المستدامة، إنه اختبارٌ لقدرة هذه الدول على إدراك أن ما يجمعها من مصالح، يفوق بكثير ما قد يفرقها من تباينات.
في النهاية، قد لا يُغيّر هذا اللقاء ملامح المشهد بين ليلةٍ وضحاها، لكنه يفتح بابًا كان مغلقًا، ويطرح سؤالًا كان مؤجلًا، هل آن الأوان لأن تتحول القوى الإقليمية من أطرافٍ متفرقة إلى كتلةٍ متماسكة؟
الإجابة، كما هي الحال دائمًا، لا تُصاغ في قاعات الاجتماعات وحدها، بل فيما يليها من خطوات، وإجراءات، لكن المؤكد أن المنطقة، في هذا التوقيت تحديدًا، تحتاج إلى مثل هذه الاجتماعات، لأنها ببساطة، تصنع الفارق بين إدارة الواقع، وصناعته.