مهدي العبار العنزي
بينما يهرع العالم نحو التطور التكنولوجي والقفزات العلمية، تطل الحروب برأسها لتذكر البشرية بأن صراع الإرادات لا يزال يُدار بلغة النار والبارود. والسؤال الذي يفرض نفسه بمرارة: هل يستفيد العالم حقاً من هذه الحروب شيئاً وراء مشاهد الدمار، والقتل، وسفك الدماء، وإزهاق الأرواح وانهيار الاقتصادات التي لم تعد تحتمل مزيداً من الهزات؟
إن القراءة المتأنية لتاريخ النزاعات المسلحة تؤكد أن «الربح» في الحرب هو وهمٌ يسكن عقول المغامرين فقط. فما يشهده العالم اليوم من تمزق في النسيج الاجتماعي للدول، وتشريد للملايين، وتحويل المدن العامرة إلى ركام، يمثِّل انتكاسة حضارية بكل المقاييس. لا توجد «فائدة» تبرر هدر الروح البشرية، ولا توجد مكاسب سياسية تعوّض انهيار المنظومات الاقتصادية التي تعصف بلقمة عيش المواطن البسيط، وتترك الدول رهينة للديون والتبعية لسنوات طويلة. وفي مقابل هذا النهج التصادمي، برز الدور القيادي للمملكة العربية السعودية التي حاولت بكل ما أوتيت من قوة وحكمة سياسية أن تجنب المنطقة، والشعب الإيراني المسلم تحديداً، ويلات هذه الكوارث والحروب. لقد كانت الرياض دوماً تمد يدها بالسلام، ساعيةً لحقن الدماء وتغليب منطق الجوار، إدراكاً منها بأن وقود هذه الحروب هم الأبرياء، وأن استقرار المنطقة هو السبيل الوحيد لرخاء شعوبها. لقد أثبتت المملكة أنها «صمام أمان» يسعى للبناء، بينما يصر غيرها على الهدم.
المملكة تحرص على حفظ الأرواح
وتسعى لحقن الدم وحقوق الإنسان
دولة هل التوحيد للخير مفتاح
للشر مغلاقٍ وللعدل ميزان
وعلى النقيض، يبرز الدور الإيراني الذي لا يتحرك بعفوية، بل ضمن مشروع يهدف إلى فرض النفوذ عبر الميليشيات، وتصدير الأزمات الداخلية للخارج، واستخدام أمن الممرات المائية كأوراق للمقايضة السياسية. إن هذا الإصرار على زعزعة أمن الدول الآمنة لا يخدم السلم الدولي، بل يصب الزيت على نار الصراعات، مما جعل طهران تختار العزلة بدلاً من الشراكة.
إن هذه التصرفات جعلت دول العالم، من شرقها إلى غربها، تعادي السياسة الإيرانية وتتخذ منها موقفاً حازماً. فلم يعد العداء محصوراً في إطار إقليمي، بل تحول إلى إجماع دولي يرفض استهداف خطوط التجارة العالمية وانتهاك سيادة الدول. لقد وضع النظام الإيراني نفسه في مواجهة مباشرة مع القوانين الدولية، مما حول بلاده من شريك محتمل في التنمية إلى بؤرة للقلق العالمي، وهو ثمن طبيعي لكل من يختار العيش خارج إطار القانون الدولي.
صوت العدالة غاب عنهم وضلوا
ما فكروا في شعبهم كيف حاله
لو كان بالدين الحنيف استدلوا
ما غامر وفي رفض نهج العدالة
إن بناء الدول يحتاج إلى عقود من العمل، بينما هدمها لا يحتاج إلا لقرار أحمق صاحبه يضرب بكل القيم عرض الحائط والنتيجة حرب ودمار وتشتيت فهل هذا الذي يريدون؟ إن السلام هو الخيار الوحيد الذي يضمن للبشرية كرامتها، وما دون ذلك ليس إلا ركضاً وراء سراب الحقد الذي عرفوا به على حساب دماء الشعوب المسلمة ومقدراتها.
والله من وراء القصد.