د. محمد بن عبدالله آل عمرو
اطلعت على ما نشرته عدد من وسائل الإعلام والصحف عن توجه جامعة الملك سعود إلى إلغاء كامل برامج بعض الكليات، وإيقاف وإعادة هيكلة برامج في كليات أخرى، معللة ذلك بما يسهم في تحسين جودة المخرجات التعليمية، وتعزيز التخصصات ذات الأولوية بما يتماشى مع مستهدفات التنمية واحتياجات سوق العمل، فبرزت هذه المقالة بوصفها محاولة لقراءة هذا التحول في سياقه الأعمق، لا بوصفه قرارًا إداريًا عابرًا، بل باعتباره مؤشرًا على إعادة تعريف العلاقة بين الجامعة وسوق العمل، ففي ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها الاقتصاد المعاصر، وما تتطلبه رؤية المملكة 2030 من مستهدفات، يتجدد السؤال القديم في ثوب جديد: هل وُجدت الجامعات لتقديم المعرفة لذاتها، أم لتأهيل الخريجين لسوق العمل؟ والحق أن هذا السؤال - على وجاهته - ينطوي على قدر من التبسيط المخل؛ إذ إن التجربة التاريخية لنشأة الجامعات وتطورها تكشف أن وظيفتها لم تكن يومًا أحادية الاتجاه، بل قامت على توازن دقيق بين بناء العقل الإنساني وإعداده للحياة العملية.
ففي جذور التجربة الجامعية، كما في أقدم الجامعات مثل القرويين والأزهر وبولونيا وأكسفورد، كانت الجامعة حاضنة للمعرفة، ومجالًا لصقل الفكر، وتكوين النخب العلمية والشرعية، ولم تكن الوظيفة المهنية غائبة، لكنها لم تكن هي الوظيفة الأساس للجامعة، بل كانت المعرفة تُطلب لذاتها، بوصفها قيمة عليا، وركيزة لبناء الإنسان قبل المهنة. غير أن هذا التصور بدأ يتحول تدريجيًا مع بداية الثورة الصناعية في أوربا بعد منتصف القرن الثامن عشر، وما تلاها من اختراع الكهرباء ثم التقنية، حيث فرضت الدولة الحديثة حاجتها إلى كوادر مؤهلة في الهندسة، والطب، والإدارة، فبرزت الجامعة بوصفها رافدًا مباشرًا للتنمية الاقتصادية، ووسيلة لإمداد السوق بالمهارات اللازمة.
من هنا تشكل النموذج المعاصر للجامعة، الذي يجمع بين ثلاث وظائف متكاملة: إنتاج المعرفة عبر البحث العلمي، ونقلها عبر التعليم، وتطبيقها عبر خدمة المجتمع. وهذا النموذج هو الذي ينبغي أن يُستحضر عند مناقشة مستقبل التخصصات الإنسانية، لا بوصفها عبئًا على سوق العمل، ومصدرا للبطالة، بل بوصفها أحد أركان التوازن المعرفي الذي لا تستقيم بدونه أي منظومة تعليمية رشيدة.
في هذا السياق، برزت في الآونة الأخيرة تساؤلات مشروعة حول جدوى بعض التخصصات الإنسانية، في ظل ما يُتداول من توجهات لإعادة هيكلة البرامج الجامعية، ومن ذلك ما نُشر عن قرار جامعة الملك سعود إلغاء السنة التحضيرية، وبعض البرامج الأكاديمية. وعلى الرغم من أن هذه التوجهات قد تُقرأ في إطار تحسين الكفاءة ومواءمة المخرجات مع احتياجات السوق كما جاء في بيان الجامعة حول الموضوع، إلا أن الخشية تكمن في أن تُفهم على أنها دعوة ضمنية لتهميش التخصصات الإنسانية، وهو فهم -إن استقر- قد يفضي إلى اختلال في البنية المعرفية للمجتمع.
الصواب -في تقديري- ليس في إلغاء هذه التخصصات أو تجميدها، بل في إعادة بنائها وفق نموذج يجمع بين العمق المعرفي والبعد التطبيقي. ويمكن أن يُطرح هنا نموذج عملي على سبيل المثال لتخصصي التاريخ واللغة العربية، يقوم على تكثيف المقررات التأسيسية في السنتين الأوليين، بما يعزز الفهم العميق للحقول المعرفية، ثم التوجه في السنتين الأخيرتين إلى مسارات تطبيقية دقيقة ذات صلة، مثل: التاريخ السياحي، وإدارة المحتوى الثقافي، والتوثيق الرقمي، والتحرير اللغوي، وصناعة المحتوى الإعلامي، والتعليم النوعي، وغيرها من المجالات التي تفتح آفاقًا مهنية حقيقية للخريجين.
هذا التوجه يجد له نظائر في تجارب دولية رائدة؛ ففي العديد من الجامعات الأوروبية والأمريكية، لم تُلغَ التخصصات الإنسانية رغم الضغوط الاقتصادية، بل أُعيد تصميمها لتكون أكثر مرونة وارتباطًا بالتطبيقات العملية، من خلال برامج مزدوجة تجمع بين تخصصين، أو مسارات تخصصية دقيقة داخل التخصص الواحد، أو شراكات مؤسسية مع قطاعات الإعلام والثقافة والتعليم. وقد أثبتت هذه النماذج أن الاستثمار في التخصصات الإنسانية لا يتعارض مع متطلبات السوق، بل يعززها من خلال تخريج أفراد يمتلكون مهارات التفكير النقدي، والتحليل، والتواصل، وهي مهارات باتت من أكثر ما يطلبه سوق العمل الحديث.
وفي تقديري أيضًا فإن الجامعة التي تنحاز بالكامل لسوق العمل تفقد رسالتها التنويرية، وتتحول إلى معهد تدريب عالٍ، كما أن الجامعة التي تنغلق في برجها المعرفي العاجي تعجز عن خدمة مجتمعها. وبين هذين الطرفين، يكمن الطريق الرشيد: جامعة تُعلّم الطالب كيف يفكر، لا ماذا يعمل فقط؛ وتمنحه في الوقت ذاته أدوات تمكنه من العمل بكرامة وكفاءة.
من هنا، فإن تطوير التخصصات الإنسانية لا ينبغي أن ينطلق من سؤال الإلغاء أو الإبقاء، بل من سؤال الكيفية: كيف نجعلها أكثر حيوية، وأقرب إلى واقع المجتمع، وأقدر على الإسهام في الاقتصاد المعرفي؟ كيف نعيد وصلها بقطاعات السياحة والثقافة والإعلام والتعليم، وهي قطاعات تشهد في المملكة نموًا متسارعًا ضمن مستهدفات رؤية 2030؟ وكيف نحوّلها من مسارات تقليدية مغلقة إلى منصات معرفية مرنة تتيح للطالب أن يجمع بين التأصيل العلمي والتأهيل المهني؟.
حين يُعاد طرح السؤال بهذه الصيغة، تتغير الإجابة، ويتحول التحدي من عبء إلى فرصة، ومن إشكال إلى مشروع وطني واعد. فالمسألة ليست في أن نختار بين المعرفة والعمل، بل في أن نُحسن الجمع بينهما، على نحو يصنع إنسانًا قادرًا على الفهم والإنتاج معًا، ويؤسس لجامعة تُسهم في بناء الاقتصاد، دون أن تتخلى عن رسالتها في بناء الإنسان.