بدرية المعجل
في عالمٍ تتسارع فيه الأحداث، وتتزاحم فيه الأخبار والمواقف، تبقى الكلمة هي الأثر الأعمق حضورًا في النفس الإنسانية؛ فهي قادرة على أن تُحيي روحًا أنهكها التعب، أو تُثقل قلبًا أرهقته الهموم. فالإنسان، مهما بلغ من قوةٍ وصلابة، يظل كيانًا مرهفًا يتأثر بما يسمع ويرى، وتبقى بعض الكلمات والمواقف عالقة في ذاكرته رغم مرور الزمن.
من هنا، تتجلى أهمية انتقاء الكلمات بعناية، واستحضار أثرها قبل إطلاقها؛ فالكلمة ليست مجرد تعبير عابر، بل مسؤولية أخلاقية وإنسانية، تتطلب وعيًا وإدراكًا بجبر الخواطر، وبثّ الطمأنينة في نفوس الآخرين، لا سيما في أوقات القلق والاضطراب، حين يبحث الإنسان عمّن يخفف عنه ويمنحه قدرًا من السكينة.
وقد أولى الإسلام عناية بالغة بالكلمة الطيبة، وجعلها من مكارم الأخلاق التي تسمو بها النفوس، وتترسخ بها القيم. فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يحب الفأل الحسن، ويحث على حسن الظن بالله، ويكره التشاؤم والتطير، تأكيدًا على أهمية بثّ الأمل في النفوس، وصيانة المجتمع من مشاعر الإحباط والخوف. ففي الحديث الشريف: «لَا طِيَرَةَ وَخَيْرُهَا الْفَأْلُ»، وفيه بيان واضح بأن الكلمة الطيبة قادرة على صناعة فرقٍ حقيقي في حياة الإنسان.
إن نشر التفاؤل ليس ترفًا فكريًا، بل هو ضرورة مجتمعية تسهم في تعزيز التماسك الإنساني، وتقوية الروابط بين الأفراد. كما أن بثّ الطمأنينة يخفف من وطأة الضغوط النفسية، ويُعيد التوازن للنفوس التي أنهكتها التحديات.
وفي المقابل، فإن نشر السلبية، أو التهويل، أو تداول الأخبار المثيرة للقلق دون وعي، يُسهم في زعزعة الاستقرار النفسي، ويُضعف روح الأمل في المجتمع. لذلك، فإن المسؤولية مشتركة، تبدأ من الفرد وتمتد إلى المجتمع بأسره، في اختيار ما يُقال، وكيف يُقال، ومتى يُقال.
إن الكلمة الطيبة تظل أثرًا لا يُمحى، وذكرى تُستعاد في لحظات الحاجة، وهي في جوهرها رسالة إنسانية سامية، تعبّر عن رقيّ القائل، وسموّ أخلاقه. فحين نُحسن اختيار كلماتنا، فإننا لا نُجبر خاطرًا فحسب، بل نُسهم في بناء بيئة يسودها الأمان النفسي، ويعمّها السلام.
وفي ظل الإيمان بالقضاء والقدر، يدرك المسلم أن الطمأنينة الحقيقية تنبع من الثقة بالله، وأن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه. وكلما ترسخ هذا الإيمان، ازدادت سكينة القلب، وانعكست هذه السكينة على سلوك الإنسان وكلماته.
قال تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ}.
ختامًا، يبقى نشر التفاؤل وبثّ الطمأنينة خيارًا واعيًا، يعكس نُبل الإنسان، ووعيه برسالته في هذه الحياة؛ فالكلمة الطيبة قد لا تُغيّر العالم، لكنها بلا شك قادرة على أن تُغيّر قلبًا.. وقلبٌ واحد قد يصنع فرقًا كبيرًا.