د. رانيا القرعاوي
شهدت الساحة الإعلامية نقاشًا محتدمًا عقب إعلان مفاجئ من جامعة الملك سعود بشأن إلغاء عدد من التخصصات والبرامج الأكاديمية. القرار لم يكن محدودًا أو جزئيًا، بل امتد ليشمل إلغاء جميع برامج كلية علوم الأغذية والزراعة، وإلغاء جميع برامج كلية اللغات وعلومها، إلى جانب إلغاء برامج اللغة العربية والتاريخ والجغرافيا وعلم الاجتماع ضمن كلية الآداب والعلوم الإنسانية، فضلًا عن شمول تخصصات في الشريعة والتربية. هذا الاتساع في نطاق القرار لم يكن مجرد تفصيل إداري، بل عاملًا رئيسيًا في تصاعد التفاعل، لما يحمله من أبعاد معرفية وثقافية تمس دور الجامعة وهويتها.
فالجامعة التي طالما كانت حاضنةً للمبدعين والمثقفين، لم تواجه رفضًا لمفهوم «التطوير» بقدر ما واجهت تساؤلًا مشروعًا: لماذا جاء القرار فجأة؟ وأين كانت تهيئة الرأي العام؟
في علم الاتصال، لا يُفاجئنا هذا الرفض.
تشير نماذج إدارة التغيير، وعلى رأسها نموذج كوتر لإدارة التغيير، إلى أن نجاح أي تحول مؤسسي يعتمد على بناء إدراك تدريجي بضرورة التغيير، يتبعه تواصل مستمر، وإشراك أصحاب المصلحة قبل إعلان القرار. ما حدث في هذه الحالة يعكس فجوة واضحة، وهي غياب التواصل قبل القرار.
الأكثر لفتًا، أن البيان نفسه، الذي كان يفترض أن يشرح ويوضح وقع في أخطاء لغوية وصياغية، وهو ما زاد من حدة التفاعل. وحين يكون القرار متعلقًا بتخصصات لغوية وإنسانية، فإن اللغة ليست مجرد وسيلة، بل جزء من مصداقية الرسالة. فضعف الصياغة هنا لم يكن خطأً شكليًا، بل مؤشرًا اتصاليًا أثر في استقبال الرسالة وثقة الجمهور بها.
تشير تقارير Edelman Trust Barometer إلى أن وضوح الرسائل ودقتها من أبرز العوامل التي تعزز الثقة، خاصة في أوقات التغيير. كما أظهرت دراسات أن إدراك الجمهور لشفافية عملية اتخاذ القرار يرتبط بشكل مباشر بمدى تقبّله لنتائجه، وهو ما يفسر جزئيًا حجم الرفض الذي برز، ليس للقرار ذاته، بل للطريقة التي تم بها طرحه.
ولا يمكن إغفال عامل يتكرر في مثل هذه الحالات، وهو الاعتماد على نماذج أو مراكز استشارية لا تعكس بالكامل خصوصية المجتمع. فبينما تقدم بيوت الخبرة العالمية أطرًا تحليلية مهمة، إلا أن نقلها دون تكييف محلي قد ينتج قرارات «صحيحة نظريًا، مرفوضة مجتمعيًا». وتؤكد تقارير McKinsey الجزيرة Company وOECD أن نجاح التحولات المؤسسية يعتمد على فهم عميق للسياق الثقافي والاجتماعي، وإشراك أصحاب المصلحة في مراحل مبكرة.
وعند مقارنة هذا المشهد بتجارب جامعات عالمية، يتضح أن قرارات إيقاف البرامج لا تُطرح بشكل مفاجئ، بل تمر بمراحل من التهيئة، والتشاور، وطرح البدائل، إضافة إلى خطط انتقالية واضحة تضمن استقرار الطلبة وتخفيف أثر التغيير. الهدف ليس فقط تنفيذ القرار، بل إدارته اتصاليًا.
في المقابل، حين يغيب هذا المسار، يملأ الجمهور الفراغ بنفسه، وتنتقل الرواية من المؤسسة إلى المنصات الاجتماعية، ويتحول النقاش من تقييم القرار إلى التشكيك فيه. الإعلام السنع لا يهاجم القرار بقدر ما يعيد توجيه النقاش نحو جوهره: الاتصال. فالمشكلة لم تكن في «ماذا قررت الجامعة»، بل في «كيف قالت ذلك»، و»متى قالته».
ردود الفعل التي صاحبت القرار تؤكد لنا أن إدارة القرارات الكبرى لم تعد مسألة إدارية فقط، بل ممارسة اتصالية بامتياز. فكل قرار هو رسالة، وكل رسالة تحتاج إلى سياق يشرحها، وتوقيت يمهّد لها، ولغة تعزز مصداقيتها.