يحيى جابر
يشهد قطاع الإعلام تحوّلًا غير مسبوق تقوده تقنيات الذكاء الاصطناعي، التي انتقلت سريعًا من كونها أدوات مساعدة إلى عنصر فاعل ومؤثر في صناعة المحتوى الإعلامي وتوجيهه، هذا التحول لم يغيّر فقط طريقة إنتاج الأخبار، بل إعادة تعريف العلاقة بين الوسيلة والجمهور، وفرض تحديات جديدة على مفاهيم المصداقية والموثوقية، فبحسب تقرير اتجاهات الإعلام الرقمي 2024م، الصادر عن «معهد رويترز لدراسة الصحافة»، فإن 56 في المائة، من المؤسسات الإعلامية حول العالم تستخدم بالفعل تقنيات الذكاء الاصطناعي في غرف الأخبار، مقارنة بـ28 في المائة، فقط عام 2019م، فيما أكد 72 في المائة، من القيادات الإعلامية أن هذه التقنيات تمثل أولوية إستراتيجية خلال السنوات المقبلة، وفي السياق ذاته، أوضحت منظمة اليونسكو في تقريرها لعام 2023م، أن نحو 70 في المائة، من المؤسسات الإعلامية في الدول المتقدمة بدأت بدمج أدوات الذكاء الاصطناعي في عملياتها اليومية، مع توقعات بارتفاع هذه النسبة إلى 85 في المائة، بحلول 2027م.
ولم يعد هذا الاستخدام مجرد توجه نظري، بل أصبح واقعًا عمليًا مدعومًا بأمثلة واضحة، فقد اعتمدت وكالة أسوشيتد برس منذ عام 2015م، على أنظمة آلية لإنتاج التقارير المالية، ما أدى إلى زيادة عدد التقارير المنشورة من 300 إلى أكثر من 3000 تقرير سنوي وفق بيانات 2020م، كما طورت صحيفة واشنطن بوست نظام «هيليوغراف» عام 2016م، الذي استخدم في تغطية الانتخابات والأحداث الرياضية، وأسهم في نشر مئات الأخبار القصيرة بشكل فوري، وفي تجربة أخرى، استخدمت بي بي سي الذكاء الاصطناعي عام 2022م، لإنتاج محتوى محلي مخصص، ما رفع نسب التفاعل بنحو 20 في المائة وفق تقاريرها السنوية.
هذا التحول قاد إلى بروز نمط جديد يُعرف بـ» الإعلام المخصص»، حيث تنتج الأخبار بناءً على اهتمامات كل مستخدم، ووفق تقرير غوغل لعام 2023م، فإن أكثر من 70 في المائة، من المحتوى الذي يستهلكه المستخدمون عبر المنصات الرقمية يتم اقتراحه عبر خوارزميات ذكية، كما أشار «مركز بيو للأبحاث في دراسة»، عام 2022م، إلى أن 63 في المائة، من الجمهور يعتمدون على منصات تستخدم هذه الخوارزميات كمصدر رئيس للأخبار، وفي جانب أكثر عمقًا، ساهم الذكاء الاصطناعي في تطوير الصحافة الاستقصائية، إذ مكّن الصحفيين من تحليل ملايين الوثائق خلال وقت قياسي، بعد أن كان الصحفي يحتاج شهور للتحليل، ففي تحقيق «وثائق بنما»، عام 2016م، جرى تحليل أكثر من 11.5 مليون وثيقة باستخدام أدوات رقمية متقدمة، ما كشف شبكات مالية معقدة على مستوى عالمي، كما أظهرت دراسة «لجامعة كولومبيا»، عام 2021م، أن استخدام تحليل البيانات ساهم في تقليل زمن التحقيقات الصحفية بنسبة تصل إلى 30 في المائة، لكن، في الجانب الآخر، تبرز تحديات خطيرة، فقد حذّر «المنتدى الاقتصادي العالمي»، في تقريره لعام 2024م، من أن التضليل الإعلامي المدعوم بالذكاء الاصطناعي يمثل أحد أبرز المخاطر العالمية، خصوصًا مع انتشار تقنيات «التزييف العميق»، التي تتيح إنتاج محتوى يصعب التحقق من صحته، وتؤكد دراسة صادرة عن «معهد ماساتشوستس للتقنية»، عام 2018، أن الأخبار الكاذبة تنتشر أسرع بنسبة 70 في المائة، من الأخبار الحقيقية، وهو ما يزيد تعقيد المشهد الإعلامي.
كما يمتد التأثير إلى سوق العمل، إذ تشير تقديرات «برايس ووترهاوس كوبرز»، لعام 2023م، إلى أن نحو 20 في المائة، من وظائف الإعلام قد تتأثر بالأتمتة بحلول 2030م، خاصة في المهام الروتينية، إلا أن هذا التحول يقابله ظهور وظائف جديدة تعتمد على مهارات تحليل البيانات وإدارة الأنظمة الذكية، وتبقى أزمة الثقة هي التحدي الأبرز، فقد أظهر استطلاع «مركز بيو للأبحاث»، عام 2023 أن 68 في المائة، من الجمهور يشعرون بالقلق من صعوبة التمييز بين المحتوى الحقيقي والمصنوع بواسطة الذكاء الاصطناعي، فيما أشار 59 في المائة، من المشاركين في دراسة «لجامعة أكسفورد»، عام 2022إلى تراجع ثقتهم في بعض الأخبار الرقمية، ورغم هذه التحديات فإن الفرص الاقتصادية كبيرة، إذ تتوقع «برايس ووترهاوس كوبرز»، أن يسهم الذكاء الاصطناعي بنحو 15.7 تريليون دولار في الاقتصاد العالمي بحلول عام 2030، مع دور بارز لقطاع الإعلام في هذا النمو، نتيجة تحسين الإنتاجية وتطوير تجربة المستخدم.
في المحصلة، لا يبدو أن الذكاء الاصطناعي سيقضي على الإعلام، بل سيعيد تشكيله، فالآلة قد تكتب الخبر، لكنها لا تصنع معناه الكامل، وبين تسارع التقنية وتحدياتها، يبقى مستقبل الإعلام مرهونًا بقدرة الإنسان على توظيف هذه الأدوات دون التفريط في جوهر المهنة الحقيقة، فمهما كانت الآلة ذكية الإنسان أكثر ذكاء، ومهما تطورت الإنسان يستطيع التطور وفهم الكثير مما يجري وابتكاره.
** **
- دكتوراه صحافة وإعلام