د.عبدالحفيظ عبدالرحيم محبوب
تدرك السعودية منذ زمن طويل مخاطر إغلاق مضايق هرمز وباب المندب، وتعطيل قناة السويس، وهي من أهم العناصر الجغرافية التي شكلت تاريخ التجارة العالمية، وأسهمت في رسم ملامح العلاقات الدولية عبر القرون، فهذه الممرات لا تقتصر وظيفتها على تسهيل عبور السفن فحسب، بل تمثل نقاط استراتيجية في حركة الطاقة والبضائع بين القارات، التي تحولت إلى محاور حيوية في النظام الاقتصادي العالمي، وأي تعطيل في أحد هذه الممرات يمكن أن يؤدي إلى اضطرابات واسعة في الأسواق الدولية. لذلك هي لا تقتصر أهميته اعلى الجانب الاقتصادي فقط، بل تمتد إلى البعد السياسي والعسكري، إذ كانت هذه الممرات محل تنافس بين القوى الكبرى نظرا لقدرتها على التأثير على التجارة العالمية، وأي سيطرة عليها يمنح الدول نفوذا استراتيجيا كبيرا يمكن توظيفه في أوقات الأزمات والنزاعات الدولية. حيث يعد مضيق باب المندب ممرا رئيسيا يؤدي إلى قناة السويس التي يمر منها 12 % من حجم التجارة العالمية، وممر يوميا ل4.2 ملايين برميل يوميا منخفضة نحو 54 % بعدما كان يمر به 9.5 مليون برميل في 2023، خصوصا بعدما اتخذت السعودية قرارا بنقل بترولها من أماكن أخرى بعد استهداف الحوثيين لناقلتي النفط السعوديتين عام 2018.
فيما يعد مضيق هرمز بين إيران وسلطنة عمان من أهم الممرات نظرا لموقعه الجغرافي الذي يربط الخليج بخليج عمان ثم بالمحيط الهندي، جعله نقطة عبور نحو الأسواق العالمية، يمر به أكثر من 20 % من إمدادات النفط العالمية، ما يمنحه وزنا اقتصاديا بالغا، وشكل نقطة توتر دائمة في العلاقات الدولية في ظل تنافس إقليمي ودولي، لذلك فهو يخضع لمراقبة مستمرة من قبل القوى البحرية الكبرى لضمان تدفق التجارة دون انقطاع، وعندما يعلن الحرس الثوري اغلاق المضيق أمام السفن في رد فعل على الضربات العسكرية على إيران في 28 فبراير 2026 أدى إلى توقف حركة السفن العابرة بسبب مخاطر الهجمات والتهديدات.
كذلك تعرضت قناة السويس إلى ووقع هجوم ثلاثي على مصر من قبل بريطانيا وفرنسا وإسرائيل عام 1956 بعد تأميم جمال عبد الناصر القناة، وتحت ضغط دولي انسحبت هذه القوات، وأصبحت القناة تحت السيادة المصرية، وتم غلق القناة كذلك في حرب 1967 ولم تفتح إلا عام 1975 وإعادة الملاحة إليها تدريجيا، ما أعاد لها دورها الحيوي في حركة التجارة العالمية.
بالطبع السعودية أدركت منذ زمن بعيد هذه التحديات والتهديدات التي تواجه هذه الممرات والمضايق، وبشكل خاص بعد مجئ الخميني إلى طهران عام 1979 أدركت مبكرا ما يحاك لها، وسارعت إلى إنشاء خط انابيب بترولاين يربط الشرق بالغرب بطول 1200 كلم ينقل نحو 7 ملايين برميل يوميا، يقلل الاعتماد على نقطة اختناق حرجة وسط التوترات الإقليمية المتصاعدة ومخاوف الطاقة العالمية حتى وصفت بأنها ملك الطاقة، وليست فقط منتجا للطاقة، بل الضامن الوحيد للطاقة في العالم، يعزز من إدارتها لمف الطاقة من أجل استقرار سلاسل الإمداد العالمية. وعندما تضررت مناطق نفطية لم تعلن السعودية عن هذا الضرر نتيجة فقدان 300 ألف برميل يوميا، بعد ثلاثة أيام أعلنت السعودية عن تعافي المناطق المتضررة السريع، والعودة إلى ضخ سبعة ملايين برميل يوميا عبر خط بترولاين إلى ينبع، يؤكد التزام السعودية الراسخ ضمان استقرار إمدادات السعودية، ويكرس موثوقية السعودية موردا عالميا للطاقة، جعل مرحلة الصمود العالمي مستقرة أمام ندرة النفط بإجراءاتها الفعالة بعدما سحبت من إيران الألم العالمي وحولته إلى ألم داخلي في إيران، خصوصا بعد حصار امريكي لمنع إيران من تصدير النفط.
تحدت السعودية تقلبات السوق في 2025 وكشفت عن تحول استراتيجي في الأداء، حيث لم يعد الزخم السعري للنفط هو المحرك الوحيد، بل برزت الكفاءة التشغيلية والتحوط الذكي كصمامي امان ضمنا استمرارية التدفقات النقدية الضخمة، إذ حققت صافي أرباح تجاوزت 92 مليار دولار، وتخطت الإيرادات 430 مليار دولار، وكفاءة في التشغيل تقود دفة النمو، فأصبح العالم أمام رئة واحدة في العالم وهي السعودية.
تتمنى إسرائيل أن يمر عبر أراضيها أنبوب نفط إلى المتوسط، لكن السعودية تربط تحقيق ذلك بإقامة دولة فلسطينية مستقلة، ومشروع مد أنبوب من السعودية إلى البحر العربي عبر الأراضي اليمينة ليس وليد اللحظة إنما هو مشروع وحلم قديم، خسر اليمن فرصة اقتصادية هائلة، نتيجة قرارات سياسية يمنية قاصرة، فبعد الاستقلال أثناء الحقبة الاشتراكية في عهد الرئيس سالمين طرح المشروع على الرئيس عبد الفتاح إسماعيل ورفض، ثم على الرئيس علي ناصر ورفض، ثم بعد تحقيق الوحدة اليمينة 1990 طرح المشروع على الرئيس علي عبد الله صالح لكنه ماطل ومارس ابتزازا لا تقبله السعودية، وفي عهد الملك عبد الله رحمه الله وافق الرئيس عبد الله صالح، لكنه اشترط على السعودية بعض الشروط جعلت السعودية تتراجع، أثرت على أجيال كاملة من اليمنيين، بسبب إعاقة مشروع أنبوب الخليج -اليمن منبع الطاقة للعالم عبر المهرة إلى ميناء نشطون.
ولا تزال هناك خطط استراتيجية لمد أنبوب نفط عبر الأراضي اليمينة وصولا إلى بحر العرب، في خطوة تستهدف تنويع مسارات التصدير وتعزيز أمن إمدادات الطاقة، عبر محافظتي المهرة وحضرموت، مما يوفر ممرا بديلا لصادرات النفط بعيدا عن ممر هرمز، في مواجهة التحديات الجيوسياسية التي قد تؤثر على حركة الامدادات، وفي نفس الوقت يسهم المشروع في تحويل المناطق الجنوبية في اليمن إلى مراكز لوجستية يعزز النشاط الاقتصادي في تلك المناطق، بل تنظر الى اليمن كجزء من الاستقرار الإقليمي، إلى جانب امتلاك السعودية خيارات أخرى كمد أنبوب نفط إلى الدقم عبر عمان.
إلى جانب تعزيز الأمن البحري بالتحالف مع القوى الدولية وحلفائها الإقليميين لتأمين الملاحة في باب المندب، خاصة في مواجهة الحوثيين في اليمن، والبحث عن مسارات بحرية أكثر أمانا رغم تكلفتها العالية وزيادة وقت الرحلة لتجنب مناطق النزاع.
** **
- أستاذ الجغرافيا الاقتصادية والسياسية بجامعة أم القرى سابقا*