وائل العتيبي - جدة:
تطوي جدة صفحة من صفحاتها العمرانية المزدحمة، وتبدأ فصلًا جديدًا من التنظيم. انطلقت فعليًا عمليات نقل تشاليح السيارات من حي الحمدانية إلى موقعها النموذجي جنوب المدينة، داخل «مدينة تجميع المعادن»، في خطوة لا تستهدف مجرد تغيير المكان، بل إعادة تعريف كاملة لقطاع قطع الغيار المستعملة.
المشروع ليس نقلًا إداريًا فحسب. هو تفكيك لواحدة من أبرز بؤر التداخل العشوائي داخل الأحياء السكنية، وإعادة بنائها وفق منطق المدينة الحديثة.
الهدف معلن: رفع الكفاءة التشغيلية والبيئية، وفك الاشتباك بين النشاط التجاري وحياة الناس اليومية، ضمن رؤية أوسع لتحسين المشهد الحضري و«أنسنة جدة».
على مساحة 1.9 مليون متر مربع، تُبنى معادلة جديدة. 850 ألف متر مربع خُصصت للتأجير ومقسمة على 291 قطعة بمساحات مدروسة، محاطة بمنظومة خدمية متكاملة. الموقع الجديد لا يقدّم أرضًا فارغة، بل بيئة عمل مكتملة: محال تجارية، مواقف منظمة، مساجد، سكن للعمالة، دورات مياه عامة، وشبكة طرق داخلية وممرات مشاة صُممت وفق معايير تخطيط حديثة. ولضمان اكتمال الدورة التشغيلية، تعمل شركة جدة للتنمية والتطوير العمراني على استكمال البنية التحتية بإنشاء محطة كهرباء خاصة داخل المدينة.
أمانة جدة ترى في هذا النقل تحولًا تنظيميًا يوحّد الإجراءات ويضبط الإيقاع بين المستثمر والمستفيد. منذ مايو 2025، باشرت الشركة المطورة توقيع العقود وتسليم الأراضي بعد اكتمال التهيئة ووصول نسبة الحجز إلى %100، على أن يكتمل التشغيل الكامل خلال الفترة المقبلة.
هذه الخطوة تتجاوز التشاليح. هي جزء من مسار أطول بدأته الأمانة لإخراج معارض السيارات والورش والسكراب من قلب المدينة. مسار أعلن ملامحه معالي أمين جدة الأستاذ صالح بن علي التركي منذ ورشة «الهوية الحضارية والطابع المعماري لمدينة جدة» عام 2018، حين تحدث عن تأسيس هوية حضارية مستقلة تجسد طابع جدة المعماري والثقافي والاستثماري. هوية تتصالح مع تاريخها، وتستثمر مقوماتها الاقتصادية والسياحية، وتترجم أهداف رؤية 2030 على الأرض.
نقل التشاليح إذن ليس نهاية، بل أداة لإزالة التشوه البصري، وخفض التلوث البيئي، ورفع جودة الحياة. جدة لا تنقل محلات، بل تنقل فوضى إلى نظام، وعشوائية إلى تخطيط، لتصنع مدينة أهدأ.. وأوضح.