د. عيسى محمد العميري
في ظل تداعيات الحرب الدائرة حالياً، والتي نتمنى أن تنتهي في أقرب وقت وبأيسر الطرق والآثار.. بات من الضروري أن تعيد دول الخليج النظر في استراتيجياتها الاقتصادية بشكل شامل، وأن تتجه نحو توسيع نطاق أنشطتها الاقتصادية والاستثمارية بما يتجاوز الأطر التقليدية التي اعتمدت عليها لعقود طويلة. فالأزمات الكبرى، وإن كانت تحمل في طياتها تحديات صعبة، إلا أنها تفتح أيضاً أبواباً واسعة لإعادة البناء والتطوير، وخلق فرص جديدة أكثر استدامة.
لقد أثبتت التجارب السابقة أن الاعتماد على مورد واحد أو قطاع محدد، مهما بلغت قوته، يظل محفوفاً بالمخاطر في ظل التقلبات السياسية والاقتصادية العالمية. ومن هنا تبرز أهمية تنويع مصادر الدخل، والتوسع في قطاعات جديدة لم تكن ضمن أولويات الاقتصاد الخليجي سابقاً، مثل الاقتصاد الرقمي، والصناعات المتقدمة، والطاقة المتجددة، والسياحة النوعية، والخدمات اللوجستية، والذكاء الاصطناعي. هذه القطاعات لا تمثل فقط بدائل اقتصادية، بل تشكل أيضاً ركيزة أساسية لبناء اقتصاد أكثر مرونة وقدرة على التكيف مع الأزمات. وفي سياق الحرب الحالية، ظهرت العديد من التحديات التي يجب الوقوف عندها بجدية، سواء على صعيد الأمن الاقتصادي، أو سلاسل الإمداد، أو استقرار الأسواق، أو حتى الثقة الاستثمارية. ولذلك، فإن المرحلة المقبلة تتطلب إجراء مراجعة شاملة للسياسات الاقتصادية، والعمل على إعادة هيكلة بعض القطاعات بما يضمن تقليل المخاطر وتعزيز القدرة على مواجهة الأزمات المستقبلية. يشمل ذلك تطوير البنية التحتية، وتحسين بيئة الأعمال، وتعزيز الشراكات الإقليمية والدولية، بما يخدم المصالح الاستراتيجية لدول الخليج. ومن المهم أيضاً أن تتبنى دول الخليج نهجاً استباقياً في التخطيط لمرحلة ما بعد الحرب، من خلال وضع تصورات وسيناريوهات متعددة تأخذ في الاعتبار مختلف الاحتمالات، سواء كانت إيجابية أو سلبية. فالتخطيط القائم على السيناريوهات يمنح صناع القرار القدرة على الاستجابة السريعة، ويقلل من عنصر المفاجأة، ويعزز من جاهزية الدول لمواجهة أي تطورات غير متوقعة. كما أن الاستثمار في الإنسان الخليجي يجب أن يكون في صميم هذه التحولات، من خلال تطوير التعليم، وتأهيل الكوادر الوطنية، وتمكين الشباب من الانخراط في القطاعات الجديدة، بما يحقق الاستدامة الاقتصادية والاجتماعية في آن واحد. فبناء اقتصاد قوي لا يعتمد فقط على الموارد، بل على الكفاءات القادرة على الابتكار والتطوير. وفي خضم هذه التحولات، يجب ألا تقع دول الخليج تحت رحمة الظروف المحيطة، بل أن تتحول إلى فاعل مؤثر في رسم ملامح المستقبل. وهذا يتطلب إرادة سياسية واضحة، ورؤية استراتيجية بعيدة المدى، وتعاوناً إقليمياً يعزز من قوة الموقف الخليجي ككتلة واحدة قادرة على مواجهة التحديات وتحقيق المصالح المشتركة.
ختاماً نقول إن إعادة هيكلة الاقتصاد تصبح ضرورة قصوى، لاختيار أفضل الرؤى والعمل بأنجع الوسائل لحماية الاقتصاد من أي ظروف سياسية كانت أو خلافها.. اللهم احفظ خليجنا آمناً مطمئناً. والله ولي التوفيق.
** **
- كاتب كويتي