د. عبدالله بن محمد بن عبدالعزيز الفاضل
يشهد العالم اليوم تحولات متسارعة أعادت تشكيل مفهوم القوة والنفوذ بين الدول، فلم تعد القوة تقاس فقط بحجم الجيوش أو كثافة التسليح، بل أصبحت ترتبط بقدرة الدولة على إدارة الأزمات، وصناعة التحالفات، وحماية المصالح، وبناء مشروع تنموي يجعل حضورها الخارجي امتدادًا طبيعيًا لقوتها الداخلية.
في هذا السياق، برز دور صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، في إعادة تعريف مفهوم القوة السعودية، ليس فقط من خلال تطوير القدرات العسكرية والأمنية، وإنما عبر بناء نموذج جديد يقوم على تنويع الاقتصاد، وتعزيز الحضور الدبلوماسي، وإعادة رسم شبكة العلاقات الإقليمية والدولية على أسس أكثر اتساعًا واستقلالًا.
السعودية اليوم لا تتحرك بوصفها دولة تنتظر الأحداث ثم تتعامل معها، بل بوصفها دولة تسعى إلى التأثير في مجرى الأحداث نفسها، وتعمل على صناعة التوازنات بدل الاكتفاء بالتكيف معها. وقد بدا ذلك واضحًا في عدد من الملفات الإقليمية المعقدة التي تعاملت معها المملكة برؤية تقوم على احتواء الأزمات، ومنع اتساعها، والبحث عن حلول تحفظ استقرار الدول وتجنب الشعوب ويلات الحروب.
في الملف السوري، دفعت المملكة باتجاه إعادة سوريا إلى محيطها العربي، انطلاقًا من قناعة بأن استمرار العزلة لا يصنع استقرارًا، وأن ترك الدول أسيرة للفوضى يفتح الباب أمام مزيد من التدخلات الخارجية والانقسامات الداخلية. كما عملت على دعم المسارات التي تمنح الشعب السوري فرصة لاستعادة دولته ومؤسساته والخروج من سنوات طويلة من الصراع.
وفي السودان، اتخذت المملكة موقفًا يقوم على دعم الحلول السياسية ووقف الحرب والحفاظ على مؤسسات الدولة، إدراكًا منها أن انهيار الدول لا يقف أثره عند حدودها، بل يمتد إلى محيطها العربي والإقليمي. كما واصلت دورها في الملف اليمني من منطلق البحث عن تسوية تحفظ وحدة اليمن وتعيد للدولة حضورها، بدل استمرار حالة الاستنزاف التي أرهقت الجميع.
وعلى المستوى الدولي، اتجهت المملكة إلى بناء شبكة واسعة من العلاقات المتوازنة، فعززت شراكاتها مع الصين في مجالات الاقتصاد والطاقة والتقنية، ووسعت تعاونها مع باكستان في الملفات الأمنية والدفاعية، كما عززت حضورها مع ألمانيا وغيرها من الدول الصناعية الكبرى، بما يعكس توجهًا واضحًا نحو تنويع الشراكات وعدم الارتهان لمحور واحد.
لم يكن هذا الحضور الخارجي ممكنًا لولا التحول الداخلي الكبير الذي شهدته المملكة خلال السنوات الأخيرة. فالدولة التي تريد أن تكون مؤثرة في الخارج تحتاج أولًا إلى مجتمع مستقر، واقتصاد قوي، ومؤسسات قادرة على الاستمرار والنمو. ولذلك شهدت المملكة توسعًا في برامج الإسكان، ودعم مستفيدي الضمان الاجتماعي، وتمكين المنشآت الصغيرة والمتوسطة، وتطوير القطاعات الثقافية والفنية والتعليمية، بما يعكس رؤية ترى أن بناء الإنسان هو أساس بناء الدولة.
كما أن العلاقة السعودية مع دول الخليج والدول العربية شهدت تحولًا لافتًا خلال هذه المرحلة، إذ اتجهت المملكة إلى تعزيز التقارب مع قطر والبحرين والكويت والإمارات العربية المتحدة والأردن وسلطنة عمان، انطلاقًا من إدراك عميق بأن استقرار الجوار جزء من استقرار المملكة، وأن بناء التفاهمات أكثر جدوى من ترك الخلافات تستنزف الطاقات والفرص.
لقد أثبتت السنوات الأخيرة أن القوة الحقيقية لا تكمن فقط في القدرة على خوض الحروب، بل في القدرة على منعها، ولا في رفع سقف الخطاب، بل في امتلاك مشروع واضح يحمي الدولة، ويصون مصالحها، ويوفر لمواطنيها الأمن والاستقرار وفرص المستقبل.
من هنا، فإن التحول الذي تشهده المملكة اليوم لا يمكن النظر إليه بوصفه مجرد تغير في السياسات، بل بوصفه انتقالًا من مرحلة كانت الدولة فيها تتعامل مع الأحداث بعد وقوعها، إلى مرحلة أصبحت فيها قادرة على المبادرة والتأثير وصناعة الفعل. وفي عالم تتغير فيه موازين القوى بسرعة، فإن الدول التي تصنع المستقبل ليست تلك التي تكتفي بردود الأفعال، وإنما تلك التي تعرف كيف تبني قوتها، وتحمي مصالحها، وتفرض حضورها بهدوء وثقة.