هدى بنت فهد المعجل
ثمة كلمات لا تُقال لتُبنى، بل لتُرمى.. كحجارةٍ صغيرة في ماءٍ ساكن، تُحدث دوائر اضطرابٍ أكثر مما تترك من أثر. بعض الناس يمرّون في حياتنا مرور العابر، يلقون جملةً عابرة، ثم يمضون خفافًا كما لو أنهم لم يحملوا شيئًا، بينما نحمل نحن عنهم ثقل ما قالوا، ونُثقِل به قلوبنا وعقولنا، وكأن الكلمة التي خرجت بلا اكتراث منهم خُلقت لتقيم فينا طويلًا، وتُعيد تشكيل شعورنا بأنفسنا وبالعالم من حولنا.
إن الانشغال بكلام الآخرين ليس دليل حساسيةٍ رفيعة كما نظن، بل هو في كثير من الأحيان استنزافٌ هادئ، يتسلل إلى الداخل دون استئذان، حتى يغدو جزءًا من ضجيجنا الداخلي. فليس كل ما يُقال يستحق أن يُسمع، ولا كل ما يُسمع يستحق أن يُفكَّر فيه. هناك فرقٌ دقيق بين الإصغاء الواعي الذي يُنمّي ويُهذّب، وبين التلقي المُرهِق الذي يُثقل الروح ويُبعثر صفاءها، ويجعل الإنسان أسيرًا لصدى كلماتٍ لم تُقصد أصلًا أن تبقى.
من يتكلم قد لا يُلقي بالًا لكلمته؛ قد يقولها في لحظة انفعال، أو بدافع فراغ، أو حتى بدافع عادةٍ لا أكثر، كأن الكلام لديه فعلٌ عابر لا يستدعي التوقف أو التأمل. لكنه لا يرى أثرها بعد أن تخرج منه، لأنها ببساطة لم تكن يومًا ثقيلةً عليه. أما نحن، فنُعيد الكلمة، نُقلّبها، نبحث في زواياها عن معنى خفي، ونُحمّلها أكثر مما تحتمل، حتى تتحول إلى عبءٍ داخلي يُفسد صفاء يومٍ كامل، وربما يمتد أثره لأيامٍ أو أكثر.
ولعل المشكلة لا تكمن في الكلمات ذاتها، بل في استعدادنا لتبنيها ومنحها مساحةً أكبر من حجمها الحقيقي. فنحن، حين نُصغي بلا وعيٍ كافٍ، نسمح لكل عبارة أن تعبر حدودنا النفسية دون فلترة، وكأننا نترك أبوابنا مفتوحة لكل عابر. ومع الوقت، تتكدس هذه الكلمات في الداخل، وتتحول إلى أفكارٍ مُشوِّشة، ومشاعرٍ مُرهِقة، دون أن ندرك أن أصلها كان جملةً عابرة لم يُلقِ لها قائلها اهتمامًا يُذكر.
وهنا تكمن الحكمة: أن ندرك أن قيمة الكلمة لا تُستمد من قائلها فقط، بل من المساحة التي نمنحها لها داخلنا. نحن من نقرر إن كانت ستمرّ كنسمةٍ عابرة تُلامس السطح ثم تمضي، أو تتحول إلى عاصفةٍ تُربك التوازن وتُعيد تشكيل المزاج.
إن ترك الكلمات تتكدس في الداخل يشبه الاحتفاظ بغبارٍ لا نراه، لكنه مع الوقت يُعتم الرؤية، ويجعل أبسط الأمور تبدو أثقل مما هي عليه.
إن الوعي الانتقائي ليس تجاهلًا متعمدًا، بل مهارة نفسية راقية تُبقي الإنسان في حالة توازن. هو أن تُدرك أن ليس كل ما يصل إليك يستحق أن يستقر فيك، وأن بعض الكلمات خُلقت لتُترك في مكانها، لا لتُحمل. فكما نختار ما نأكله بعناية حفاظًا على أجسادنا، ينبغي أن نختار ما نُدخله إلى عقولنا حفاظًا على صفائنا الداخلي. ليس المطلوب أن نصبح قساةً أو غير مبالين، ولا أن نُطفئ في داخلنا حسّ التعاطف، بل أن نُهذّب استجابتنا، وأن نُعيد ترتيب أولوياتنا الداخلية. أن نمنح أنفسنا حق التجاوز، وحق عدم الوقوف طويلًا عند كل ما يُقال. فالنضج الحقيقي لا يظهر في قدرتنا على الرد، بل في قدرتنا على التجاوز.
في نهاية الأمر، من تكلم قد نسي ما قال، وربما لم يعد يتذكر حتى سياق كلمته، بينما نحن من نملك الخيار الكامل: إما أن نحمل كلمته معنا، فنُثقل بها أيامنا، أو نتركها حيث وُلدت.. في الهواء، ونمضي أخفّ، وأكثر صفاءً، وأكثر قدرةً على العيش دون أن نكون رهائن لعباراتٍ لم تُكتب لنا أصلًا.